الكامل في التاريخ - ط دار صادر و دار بیروت - ابن الأثير، عزالدین - الصفحة ٢٠٢ - ذكر عمرة الحديبية
يدك قبل أن لا تصل إليك . فقال [ عروة ] : مَن هذا يا محمد ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا ابن أخيك المغيرة ، فقال : أي غدر وهل غسلت سوأتك [ إلا ] بالأمس ؟ وكان المغيرة قد قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك وهرب ، فتهايج الحيان بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة فودي عروة للمقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر .
وطال الكلام بينهما ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحو مقالته لبديل ، فقال له عروة : يا محمد ، أرأيت إن استأصلتَ قومك فهل سمعتَ بأحدٍ من العرب اجتاح أصله قبلك ؟ وجعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فوالله لا يتنخم النبيُّ نخامة إلاّ وقعت في كَفَ أحدهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإنْ أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وما يحِدّون النظر إليه تعظيماً له .
فرجع عروة إلى أصحابه وقال : أي قوم قد وفدتُ على كسري وقيصر والنجاشي فوالله ما رأيت مَلِكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً ، وحَدّتهم ما رأي وما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال رجل من كنانة : دعوني آته [ فقالوا اتته ] . فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ هذا فلان وهو ] من قوم يعظمون البُدُن فابعثوها له فبعثت له واستقبله قوم يُلَبُّون فلما رأي ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أنْ يُصَدُّوا عن البيت .
وقيل : إنّ قريشاً بعثت إليه الحليس بن علقمة وهو سيد الأحابيش فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهَدْيَ في وجهه حتى يراه . فلما رأي الهَدْيَ رجع إلى قريش ولم يصلً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا قوم قد رأيتُ ما لا يحل صَدّه الهدي في قلائده . فقالوا : اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك . فقال : والله ما على هذا حالفناكم أنْ تَصُدُّوا عن البيت مَنْ جاء مُعَظماً له ، والذي نفسي بيده لتخلُنَّ بين محمد ويبن البيت أو لأنفرنّ الأحابيش نفرة رجل واحد . قال : فقالوا : مَهْ كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا .