الكامل في التاريخ - ط دار صادر و دار بیروت - ابن الأثير، عزالدین - الصفحة ٥١٢ - ذكر فتح المدائن التي فيها إيوان كسرى
عزمتُ علن قطع هذا البحر إليهم .
فقالوا جميعاً : عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل فندب الناس إلى العبور وقال : مَنْ يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكي لا يمنعوهم من العبور ؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو الباس في ستمائة من أهل النجدات فاستعمل عليهم عاصماً فقدّمهم عاصم في ستين فارساً وجعلهم على خير ذكور لإناث ليكون أسلس لسباحة الخيل ، ثم اقتحموا دجلة . فلما رآهم الأعاجم وما صنعوا أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها فاقتحموا عليهم دجلة فلقوا عاصماً وقد دنا من الفراض فقال عاصم : الرماح الرماح أشرعوها وتوخوا العيون فالتقوا فاطعنوا وتوخَّى المسلمون عيونهم فوَتُوا ، ولحقهم المسلمون فقتلوا أكثرهم ، ومَنْ نجا منهم صار أعور من الطعن ، وتلاحق الستمائة بالستين غير متعتعين .
ولما رأى سعد عاصماً على الفراض قد منعها أذِنَ للناس في الاقتحام ، وقال : قولوا : نستعين باللّه ونتوكل عليه حسبنا الله ونِعْم الوكيل ، واللّه لينصرن الله وليه ، وليظهرن دينه ، وليهز من عدوه [ لا حول ] ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وتلاحق الناسُ في دجلة وإنهم يتحدثون كما يتحدثون في البر ، وطبقوا دجلة حتى ما يري من الشاطئ شئ وكان الذي يساير سعداً ، سلمان الفارسي فعامت بهم خيولهم وسعد يقول : حسبنا الله ونعم الوكيل ، والله لينصرن الله وليه وليظهرن دينه وليهزمن عدوه إنْ لم يكن في الجيش بَغْيٌ أو ذُنُوب تغلب الحسنات . فقال له سلمان : الاسلامُ جديد ذلَلَتْ لهم البحور كما ذُلّل لهم البر ، أما والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً ، فخرجوا منه كما قال سلمان لم يفقدوا شيئاً ،