تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٦٦ - ٩١٤٩ ـ رجل من شعراء البادية
ذكر أبو محمّد بن زبر فيما نقلته من كتاب ابنه أبي سليمان [١] ، أنبأ أحمد بن عبد الله بن سليمان ، عن أبي عبد الله ابن الأعرابي قال :
كان رجل من الأعراب عاشقا لابنة عمّ له ، وأمل أن يتزوّجها ، فأصابتهم حطمة [٢] أفسدت المال وغيرت الحال وذلك في خلافة عبد الملك بن مروان فارتحل أهلها إلى بعض مدائن الشام ، وكثر خطّاب الجارية ، وبذل لها الرغائب ، فبلغ ذلك الأعرابي ، فأقبل على قعود [٣] له ، فأغذّ السير ، فعطب قعوده ، فلم يبق معه إلّا حلسه وقتبه فأتاهم فذكر قرابة وشرفا فقالوا : المال أحبّ إلينا للحال التي نحن عليها ، قال : أي القوم أما إذا أبيتم فأجّلوني شهرا أو شهرين فإن جئتكم بما تحبوه وإلّا فأنتم من وراء ما تريدون.
قال : فأتى عبد الملك بن مروان فأقام ببابه شهرا لا يصل إليه ، ثم أذن له ، فدخل وهو يقول :
| ما ذا يقول أمير المؤمنين لمن | أوى [٤] إليك بلا قرب ولا نسب | |
| مدله عقله من حب جارية | موصوفة بكمال الدلّ والأدب | |
| خطبتها إذ رأيت الناس قد لهجوا | بذكرها ، والهوى يدعو إلى العطب | |
| فقلت : لي حسب عال ولي شرف | قالوا : الدراهم خير من ذوي الحسب | |
| قالوا : نريد ألوفا منك أربعة | ولست أملك غير الحلس والقتب | |
| فالنفس تعجب لما رمت خطبتها | مني ، وتضحك إفلاسي من العجب | |
| لو كنت أملك مالا أو أحيط به | أعطيتهم ألف قنطار من الذهب | |
| فامنن عليّ أمير المؤمنين بها | واجمع بها شمل هذا البائس العزب | |
| فما وراءك بعد الله مطلب | أنت الرجاء ومنهى غاية الطلب |
فأمر له عبد الملك بعشرة آلاف درهم ، وما يصلح للوليمة.
أنبأنا أبو البركات طلحة بن أحمد بن بادي العاقولي ، أنا أبو محمّد الجوهري ، نا أبو
[١] يعني محمد بن عبد بن أحمد بن ربيعة ، أبو سليمان الربعي ، ترجمته في سير الأعلام ١٦ / ٤٤٠.
[٢] أي سنة وجدب.
[٣] القعود : وهو من الإبل ما أمكن أن يركب وأدناه أن تكون له سنتان ثم هو قعود إلى أن يثني فيدخل في السنة السادسة ثم هو جمل.
[٤] في المختصر : أدلى.