شرح الرضيّ على الكافية - الأسترآباذي، رضي الدين - الصفحة ٣٨٩ - الواو ، الفاء ، ثم ، حتى معانيها وأحكامها
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً» [١] ، فإن اخضرار الأرض ، يبتدئ بعد نزول المطر ، لكن يتم في مدّة ومهلة ، فجيء بالفاء ، نظرا إلى أنه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار ، ولو قال : ثم تصبح ، نظرا إلى تمام الاخضرار ، جاز ؛ وكذا قوله تعالى : (ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً)[٢] ، نظرا إلى تمام صيرورتها علقة ، ثم قال : «فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً ، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً» ؛ نظرا إلى ابتداء كل طور ، ثم قال : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) ، إمّا نظرا إلى تمام الطور الأخير ، وإمّا استبعادا لمرتبة هذا الطور الذي فيه كمال الإنسانية ، من الأطوار المتقدمة ؛
قوله : «وثمّ مثلها بمهلة» ، أي مثل الفاء في الترتيب ، إلا أنها تختص بالمهلة والتراخي ، ومن ثمّ قال سيبويه في : مررت بزيد ثم عمرو : ان المرور : مروران [٣] ؛
ولا تكون إلا عاطفة ، ولا تكون للسببية ، إذ لا يتراخى المسبب عن السبب التامّ ، ولا تعطف المفصل على المجمل كالفاء ؛ وقد تجيء في الجمل خاصة ، لاستبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها ، وعدم مناسبته له كما ذكرنا في قوله تعالى : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) ، وكقوله تعالى : (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)[٤] ، فالإشراك بخالق السموات والأرض مستبعد ، غير مناسب وهذا المعنى : فرع التراخي ومجازه ، وكذا في قوله تعالى : (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) ثم قال : (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا)[٥] ، فإن الإيمان بعيد المنزلة من فكّ الرقبة ، والإطعام ، بل لا نسبة بينه وبينهما ، وكذا قوله (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)[٦] ، فإن بين توبة العبد ، وهي انقطاع العبد إليه بالكلّية وبين طلب المغفرة بونا بعيدا ؛
[١] الآية ٦٣ سورة الحج ؛
[٢] الآيتان ١٣ ، ١٤ سورة المؤمنون ؛
[٣] يعني أن المرور حصل مرتين ؛
[٤] أول آية في سورة الأنعام ؛
[٥] من الآية ١١ إلى ١٧ سورة البلد ؛
[٦] الآية ٣ سورة هود ؛