أدباء القرن العشرين - إبراهيم عبد القادر المازني - الصفحة ٨٧ - محطة القدس
بالبرد و كنت أرتدى أخف ما يرتدى فى الصيف فتجمعت و نظر إلى الطيار الثانى و هو يبتسم وهز رأسه كأنما يريد أن يقول إنى مسافر بطائرة خاصة فأشرت إليه إنى مقرور، فخف إلى جزاه الله خيرا و حجب منافذ الهواء و جاءتنى ببطانية فشكرت و نمت.
و هبطنا فى مطار" المزة" على مسيرة دقائق بالسيارة من دمشق فإذا بأربعة حول منضدة يدور عليهم الجواز و يفحصه كل منهم و لكنى كنت مطمئنا فإن هذه دمشق لا اللد و سورية لا فلسطين و الأمر هنا لأهل البلاد لا لدعاة الوطن القومى و لم يخب ظنى فلقيت من رجال الجوازات و موظفى الجمرك التيسير و الحفاوة و لم يكن معى شىء إلا ثيابى و إلا الكلمة التى أعددتها لمهرجان المعرى، و قد أظهرتها لهم و أطلعتهم عليها فتبسموا و تركوها لى فى الحقيبة وليتهم أخذوها. إذا لوسعنى أن أعتذر بأنها معهم و أنى لا أستطيع من أجل ذلك أن ألقيها، فأتقى سواد الوجه و لكن كل شىء كان لمكيدتى فلا مفر من الفضيحة على ما يظهر بين هذا الحشد من أعلام الأدب و البيان و الأمر لله. و ليست هذه أول مرة أزور فيها" دمشق" فقد زرتها قبل عشر سنوات لا أراها قد غيرت منها كثيرا فما زالت كما عهدتها و ما انفك من عرفت من أبنائها كما كانوا كأن السن لم ترتفع بهم أو كأن شبابهم عليهم سرمد حتى من كانوا شيوخا يوم لقيتهم قديما، ظلوا ملء بهاء و إشواق ديباجة فلابد أن تكون دمشق هذه قطعة من الجنة، أليست الأنهار تجرى من تحتها؟ أليس أهلها منها فى جنات و عيون" لهم فيها فاكهة و لهم فيها ما يدعون" يطاف عليهم بكأس من معين" بيضاء لذة للشاربين" و عندهم قاصرات الطرف عين" كأنهن بيض مكنون؟ آمنت بالله.