أدباء القرن العشرين - إبراهيم عبد القادر المازني - الصفحة ١٦٦ - حديث عن صحافة الشام
الحديدية سلحفاة فلا غناء لها، و تكاليف إخراج الصحيفة غير يسيرة، و على الرغم من ذلك كله احتفظت الصحافة فى سوريا بمستواها، و اجتذبت إليها طائفة صالحة من صفوف الشبان المثقفين.
و لم أر أنشط و لا أشد من الصحفيين السوريين لعملهم، فهم ينتشرون فى الأرض، و يظهرون فى كل مكان و يستقون كل خبر.
و يحيطون بكل دقيق و جليل من الأمور، و يقفون على كل خلية، و لا تبدو عليهم مع ذلك عجلة، حتى ليخيل إليك إذا تراهم أنهم لا يزاولون عملا و إنما يزجون فراغا.
و قد طفت بإدارات الصحف فى دمشق لا لأنه ما تقتضيه الزمالة، بل لأن فيها إخوانى و أصدقائى، فكان يدهشنى أن أرى المكاتب خالية، و لا يكاد بعضهم يدخل حتى ينكفئ خارجا،. فجعلت أتساءل فى سرى:
" أين إذن المحررون المخبرون و المترجمون؟ و من ترى يتولى ترتيب المواد المختلفة، و الإشراف على الطبع و ما إلى ذلك؟.
و قد تبينت بعد ذلك أن السر فى هذا" الفراغ" الذى تعجبت له هو أن الحركة دائمة، و السرعة عظيمة، فالجلوس إلى المكاتب قليل، و كل امرئ يؤدى عمله و يدفع به إلى صاحب الجريدة أو الموكل بالإشراف، أو إلى المطبعة ريثما يؤوب الغائب، ثم ينطلق خارجا عسى أن يقع على جديد أو مفيد.
و لقلة الورق، و ضيق الصحف، و صغرها اقتصرت على الجد، و أغفلت ما يراد به التسلية و تركت ذلك للمجلات و الصحف