أدباء القرن العشرين - إبراهيم عبد القادر المازني - الصفحة ١٧٠ - حديث عن صحافة الشام
و كانت القاعة خاصة بالرجال، و مجهزة ما يحمل صوت المتكلم، و لو كان خفيضا كصوتى، إلى آخر ما فيها، بل يجعله يجلجل كالرعد، إذا كان معدنه قويا كأصوات فخامة السيد القوتلى، أو السيد عراف النكدى أو السيد شقيق جبرى الشاعر و هذه لا حاجة بها إلى معين فإنها سمع الصم.
و للقاعة شرفات ثلاث ممتدة على الجوانب الثلاثة- من فوق كانت هى أيضا غاصة، و لكن بأندى زهرات دمشق. و كن جميعا" يجلسن" سافرات لا يرحمن ضعفنا و لا يترفقن بطيننا الواهى الخرع، على أن قلبى مات من زمان فلا خوف عليه أن يصاب بسهم من هذه العيون التى لا أمان لها، فكنت أغافل جيرانى و أصعد طرفى و اختلس النظرتين من حين إلى حين، و لم يكن هذا منى من قبيل العبث أو على سبيل الشيطنة و إنما كان لأنى أفكر و أتعجب.
و ملت على جار لى قلت مازحا" هل نساء الشام دميمات؟" فجاهد أن يخفض صوته و هو يقول هامسا و بوده لو تسنى له أن يصح" العمى" الا تراهن؟"
فلم أرحمه و سألته" إذن لماذا يتحجبن؟" فرمانى بنظرة و لم يجب. و دارت عينى فى مقاعد الرجال- تحت- وعدت إليه أغمزه فابتسم و هو يلتفت إلى و يسأل" هل ركبك عفريتك؟"
قلت" لا تخف على، بل خف على نفسك؟" انظر" و أومأت بإصبعى إلى آخر الصف الأول الذى يواجهنا و نحن على المنصة.
فنظر و هى رأسه و أدار إلى وجهه و سأل" ماذا؟"
فكانت هذه فرصة أثأر فيها لنفسى، فصحت به" العمى ألا ترى الآنسة" فلك طرزى ٥١ جالسة بين الرجال؟".