أدباء القرن العشرين - إبراهيم عبد القادر المازني - الصفحة ١٥٠ - تواضع الساسة السوريين
و القصر الجمهورى دار صغيرة فيها من السلطة أكثر مما فيها من الأبهة و على أبوابها و فى مداخلها حرس و شرط. و لكنك تحس و أنت داخل أن هؤلاء إنما يقفون لتحيتك و الترحيب بك لا لحراسة أحد، فكأنهم بعض ما تزان به المآدب الحفلات مبالغة فى التخفى و من يحرسون؟! و ممن يتحرزون! إن رئيس الجمهورية من الشعب و الشعب منه، و ما كان راغبا فى هذا المنصب و لا طالبا أو ساعيا، و إنما كانت رغبته و سعيه أن يكون الرئيس الأسبق" هاشم بك الأتاسى" ٣٧ على رأس الجمهورية، و لكن هاشم بك أبى كل الإباء على أن هذا الأمر ليس له سوى شكرى بك، و لو بقى الأمر لاختيار شكرى بك لما تولى شيئا لا من الرياسة و لا من الوزارة.
و الواقع أن مناصب الحكم لا تعد شيئا فى سورية، فليس عليها تنافس. و لا فى سبيلها أو من أجلها تثور الخصومة و تضطرم العداوة و تنشق الصفوف و تفترق الكلمة. و قد زرنا" حمص" فى أوبنا من رحلة الشمال، و قصدنا إلى دار السيد" هاشم الأتاسى" الرئيس الأسبق لتحيته، ثم تغذينا فى بستان البلدية فعرفت أتاسيا آخر هو آخو الأول، تقلد منصب الوزارة مرة من قبل، و لو شاء لتقلد رياستها الآن، فإن منزلته و أسرته و ثقافته و همته تؤهله لما يحب، و لكنه يشيح عن ذلك كله إشاحة المستخف و يؤثر أن يكون رئيس بلدية حمص.
و على هذا فقس،
و استقبلنا فخامة الرئيس فى القاعة الكبرى- و إنما توصف بالكبرى للقياس إلى غيرها- كان ينتقل بين هذا الرهط العظيم المحشود و يقف مع كل فريق لحظات يتحدث و يلاطف و يجامل ثم قيل اهبطوا فهبطنا إلى الحديقة- و هى واسعة- حيث صفت