أدباء القرن العشرين - إبراهيم عبد القادر المازني - الصفحة ١٥٢ - تواضع الساسة السوريين
يحاول أن يبدو للناظرين كأنه- غيره هو- المعنى بهذا المديح، فيعبث بالشوكة تارة، و فرك لباب الخبز طورا و يلتفت وراءه حينا، و يتناول سيجارة ليشعلها ثم يردها.
و ما كدنا نفرغ من الطعام و نتهيأ للقيام- فقد كان المقرر أن نعفى من الخطبة حتى رأينا شيخا يغادر مكانه و يقبل فيقف قبل الرئيس كأنه ينتظر الإذن، فينظر إليه الرئيس مليا ثم يأبى له الأدب أن يرده، فيقول" تفضل".
و قد استغربت ما سمعت، فما كان هذا مقامه، و رأيت الرئيس يلتفت إلى الأستاذ أحمد أمين بك و سمعته يقول" ما رأيك" فلم يجب الأستاذ و لكنه نهض بعد فرغ صاحبنا، فيقول كلاما حسنا يعد ردا على ما سمعنا و تعجبنا له، فأنقذ الموقف.
و صار الواجب بعد ذلك أن يقول أحدنا كلمة شكر، فقالها الدكتور طه، جزاه الله خيرا، و أحسن كل الإحسان، و اثنى أطيب الثناء على وزير المعارف نصوح بك البخارى ٣٩ الذى لم يفارقنا لحظة واحدة فى أسبوع المهرجان، و أن لا يفتر فى رعايته لنا، و لا يقتصر فى تعهدنا و برنا.
و قد جاءنى معاليه بعد أن نهضنا عن الموائد و تفرقنا فى الحديقة و شكا إلى أن الدكتور طه بالغ و أسرف، فقلت له يا سيدى:
إن الدكتور طه إنما عبر عما نطوى جميعا لك من الحب و الإجلال و الشكران، و لو لم يشكرك طه، لشكرتك أنا و لكنت أشد منه إسرافا، و ما أراه قصر فى حقك، فقال أنت شر منه، و مضى، و هو أشد عما يكون استحياء.