أدباء القرن العشرين - إبراهيم عبد القادر المازني - الصفحة ٧٦ - مقدمة الرحلة كما وضعها المازنى
و يحسن قبل أن أتناولها بكلام أن أقول إنى حرصت فى كل رحلاتى، و هى كثيرة على مبدأين: لم أحد عنهما قط، و إن كانت صلات المودة و الصداقة بينى و بين كثيرين من أبناء البلاد العربية الشقيقة تغرى بالتبسط و ترك التحرر و التحفظ، فأما المبدأ الأول:
فأنا لا أدخل فى أمر داخلى للبلاد التى أزورها أو أتطفل عليها بالخوض فى شئونها أو التعرض بخير أو شر لأحد من رجالها، و أما المبدأ الثانى: فأن أكون مصريا قحا لا يعرف غير مصر و لا يجعل باله إلا إلى سمعتها و لا يذكرها أو يسمح بذكرها أو ذكر أحد من رجالها بغير الخير و قد كلفنى هذا شططا و حمل أعصابى فى بعض الأحيان فوق طاقتها فما كانت أحوالنا فى كل حال بالمرضية.
و أنا رجل أوثر الصراحة و الحق على المداورة و المكابرة و لكن الواجب هو الواجب و من فضل الله أنى تعلمت و تعودت أن أقدم الواجب على الهوى.
و لعل أكثر المصريين لا يدرون أن مصر كتاب مفتوح تقرأه البلاد العربية صفحة، صفحة، و سطرا سطرا، و حرفا حرفا، و قد لا يدركون أن لبلادهم مقاما ممتازا و منزلة ملحوظة و أن صحفها تدرس- و لا أقول تقرأ- و تغربل و تنخل و لا يهمل منها حتى الإعلانات و أن القوم يعرفون أعلامنا واحدا واحدا و فى وسعهم أن يكتبوا لهم تراجم دقيقة مستفيضة و أنهم واقفون على أحوالنا و سير الرجال عندنا و مجرى الحوادث فى أرضنا وقوفا يدهش و يروع و يربك.
فى سنة (١٩٣٦) كنت عائدا من العراق مع صديقى الأستاذ أسعد داغر ١ إلى شرقى الأردن من صحراء جرداء لا ماء فيها و لا