بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٠ - الثاني
الأدلة الأربعة لتعيّن الأعلم في صورة العلم [١]، و المراد من الأدلة الأربعة المذكورة في كلامه (رحمه اللَّه) هي الإجماع و الأصل و الروايات من المقبولة و نحوها و بناء العقلاء.
لكن القدر المتيقن من الإجماع صورة العلم بالاختلاف و الأعلمية، و الأصل- و هو دوران الأمر بين التعيين و التخيير- لا مجرى له في بادئ الرّأي، إذ لا يحتمل تعيّن أحدهما فقط ليدور الأمر بين حجيته تعيينا أو تخييرا.
و بالجملة ليس أحدهما بالإضافة إلى الآخر مقطوع الحجية، كما أنّ المقبولة إذا كانت موجبة لنفوذ الحكم مطلقا إلّا مع العلم بالاختلاف، كذلك نقول إنّها مقتضية لحجية كل منهما إلّا مع ثبوت الحكم من الأعلم على خلافه، و إن كان التحقيق ما عرفت من تقيّد نفوذ الحكم بعدم الحكم من الأعلم على خلافه واقعا من دون دخل للعلم و الجهل في تقيّده و عدمه. نعم ظاهر رواية موسى بن أكيل [٢] و داود بن الحصين [٣] لزوم النّظر و الفحص، حيث قال (عليه السَّلام): «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما ... إلخ» و أما بناء العقلاء فقد عرفت حق القول فيه. لكنه إذا قيل في المسألة السابقة إنّ بناءهم على الترجيح في مقام ثبوت المعارضة في ظرف وجدانهم لا على ثبوتها الواقعي، كذلك لنا أن نقول إنّ بناء العقلاء عملا على الترجيح مع ثبوت الأعلمية في ظرف وجدانهم، و إعمال المرجّح انّما يكون تعيينيا مع ثبوت المرجّح، و لا بناء منهم على الفحص عن المرجح.
لكن كل ذلك من باب الجدل، و إلّا فالتحقيق ما عرفت حتى في الأصل، إذ لا يقين في صورة المعارضة و احتمال المرجح في أحد الطرفين بكون التمسك
[١] مجموعة رسائل: ص ٨١.
[٢] الوسائل: ج ١٨، باب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ٤٥.
[٣] الوسائل: ج ١٨، باب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ٢٠.