بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٧٠ - الرابع
و أمّا إذا كان لازما عقلا فمورد الإشكال، لأنّ إجراء الاحتياط كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و إن كان تقليديا لما عرفت كليّة سابقا في الأصول العقليّة من أنّ العامي- حيث لا خبرة له بحقائقها و تطبيقها على مصاديقها و تعيين مواردها، لإمكان تصرّف الشارع فيها نفيا و إثباتا- لا مناص له من الرجوع إلى المجتهد، إلّا أنّ ذلك لا يقتضي جعل حكم مماثل على طبق الاحتياط حتى يتعبّد به العامي، ليكون نفس العمل الاحتياطي موردا للتقليد، لئلا يصحّ العدول عنه.
بل غاية الأمر أن المجتهد يرى أن الشارع لم يتصرف في المورد بنفي و لا إثبات، فيتمحّض المورد للاحتياط اللازم عقلا، و الالتزام بهذا الرّأي لا يمنع عن العدول، و لذا ترى أنّ أرباب الفتوى يجوّزون الرجوع إلى غيرهم في موارد الاحتياطات اللازمة من دون تفصيل بين العمل على طبق هذا الاحتياط اللازم بنظرهم برهة من الزمان و عدمه.
لا يقال: و إن لم تكن هذه الصورة من موارد العدول من حيث نفس العمل الاحتياطي، لكنه من حيث الالتزام الّذي بلحاظه كان تقليديا تكون من موارده، فبعد الالتزام بعدم تعبّد من الشارع في مرحلة الظاهر على خلاف ما يقتضيه الاحتياط، لا يصح له الالتزام بتعبّد منه كذلك بحسب رأي من يفتي بخلاف الاحتياط اللازم في نفسه.
لأنّا نقول: ليس لهذا الالتزام أثر عملي حتى يجب من باب المقدّمة كما في غير مورد الاحتياط، حيث إنّ العمل لو لم يكن عن استناد إلى رأي المجتهد لا يكون مبرئا للذمّة، بخلاف ما نحن فيه، حيث إنّ العمل احتياط لا حاجة في كونه مبرئا إلى التزام و استناد إلى المجتهد. و إنّما كان عدم تصرّف الشارع في المورد من قبيل عدم المانع عن كون المورد مورد لزوم الاحتياط عقلا، فكون المجتهد أو المقلد ملزما عقلا بالفعل بالاحتياط منوط بعدم تعبّد الشارع في الظاهر، لا أنّ الالتزام واجب مقدّمي للعمل حتى يمنع عن العدول عنه كما في غيره.