بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٥ - الخامس
و المعرفة ملاك الحجية و لأجلهما يحكم العقل و العقلاء برجوع الجاهل إلى العالم، فمن كان الملاك فيه أقوى كانت حجيته أقوى، بخلاف العدالة في العمل و سائر الشرائط فانّها و إن كانت معتبرة في حجية الفتوى، لكنها ليست ملاك الحجية و مناط الطريقية، فتفاوت المجتهدين في الشرائط قوة و ضعفا لا يوجب أقوائية الحجية في فتاواهما، و عليه ففي مثل الشك في شرطية أصل العدالة و إن كان الأصل اشتراطها لعدم اليقين ببراءة الذّمّة إلّا باتّباع العادل مثلا، لكن بعد فرض شرطية العدالة بأول مرتبة منها، فلا يوجب تعارض الأعدل و العادل تقديم الأول من باب تقديم أقوى الحجتين على أضعفهما، لفرض طريقية الفتوى، و ليس ملاك طريقيّتها و حجيّتها إلّا العلم و المعرفة بالحكم، و الشرائط شرائط لا ملاكات و مقتضيات، فهي أجنبية عن مرحلة تقديم أقوى الحجتين على أضعفهما.
نعم بناء على الموضوعية ربما أمكن أن يتوهّم أنّ مجموع الأمور المعتبرة في الفتوى ملاك حجيتها، و أنّ المصلحة المقتضية لجعل الحكم المماثل قائمة بفتوى خاصة.
و منه علم حال الفرع الآخر و هو تعارض الأعلم و الأورع، فانّه بملاحظة ملاك الحجية و الطريقية لا ينبغي الريب في تقديم الأعلم، لأنّ ملاك الحجية فيه أقوى دون الأورع، و أمّا بملاحظة السببية و الموضوعية فاحتمال تعيّن كلّ من الوصفين قائم، فلا موجب لتقديم الأعلم على هذا الوجه بل اللازم هو التخيير، فتقوية تعيّن الأورع في الفرع المتقدّم آنفا و تعيّن الأعلم في هذا الفرع ليس على ما ينبغي. ثمّ إنّ الأورع إذا كان كذلك في مقام الاستنباط بحيث يبالغ في بذل جهده و وسعه أزيد من الأعلم فمرجعه إلى الخلف، لأنّا لا نعني بتقديم الأعلم تقديم من كان أقوى ملكة و لو لم يبذل مقدار وسعه و مبلغ نظره، بل من أدّى النّظر حقّه و الأعلمية وظيفتها، و عليه فبذل المفضول وسعه زيادة على