بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١١٦ - تتمّة في حقيقة التوبة و وجوبها
العبد، فتوبة العبد رجوعه من الذنب إلى ربه، و من البعد عنه إلى قربه، و توبة اللّه تعالى رجوعه بالمغفرة و الرحمة على عبده، و لذا لا تتعدّى التوبة المضافة إليه تعالى إلّا بحرف الاستعلاء، لتضمّنه الرحمة و ما يقاربها معنى.
ثمّ إنّ التوبة كما عليه أهل المعرفة علم و حال و عمل، و الكل نحو من الرجوع، فتارة تطلق التوبة على الكل، و أخرى يختصّ بعض مراتبها باسم التوبة، و بعضها الآخر باسم الاستغفار.
فالمرتبة الأولى منها هو الرجوع من الجهل و الغرور إلى العلم و الإقرار قلبا، فانّه ما لم يعلم عظمة الرب و عظمة عصيانه و شدة عقابه لا يكون له رجوع حالي أو عملي، فإذا حصل هذا العلم بأسبابه فقد حصل له الرجوع علما، و إلى مثل هذه المرتبة، أشير في الخبر: «من أذنب ذنبا كبيرا كان أو صغيرا و هو يعلم أنّ لي أن أعذّبه أو أعفو عنه عفوت عنه» [١] و في خبر آخر: «انّ من لم يندم فهو ليس بمؤمن بالعقوبة» [٢]، و في خبر آخر: «ما خرج عبد من ذنب إلّا بالإقرار» [٣].
و المرتبة الثانية هو الرجوع من المسرّة إلى ضدها، و هو أن تسوءه سيئته بعد أن كانت تسرّه، و إليه أشير في الخبر «ما من مؤمن أذنب ذنبا إلّا ساءه ذلك» [٤] و قال (عليه السَّلام): «من سرّته حسنته و ساءته سيّئته فهو مؤمن، و من لم يندم على ذنبه فهو ليس بمؤمن» [٥]، و كما أنّ أول مرتبة تنشأ من الجهل حب المعصية و السرور بها، كذلك أول مرتبة تنشأ من العلم هو بغضها و أن تسوءه
[١] الوسائل: ج ١١، باب ٨٢ من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح ٦.
[٢] الوسائل: ج ١١، باب ٤٧ من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح ١١ هو صحيحة ابن أبي عمير و ذيلها.
[٣] الوسائل: ج ١١، باب ٨٢ من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح ٣.
[٤] الوسائل: ج ١١، باب ٤٧ من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح ١١.
[٥] الوسائل: ج ١١، باب ٤٧ من أبواب جهاد النّفس و ما يناسبه، ح ١١ بتفاوت ما.