التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤ - ٤ - آية الحفظ
كان صلى الله عليه و آله إذا نزل عليه القرآن عجّل بقراءته حرصا منه على ضبطه وحفظه دون أن ينساه أو يضيع. وذلك كان قبل أن ينتهي الوحي ببقية الآية أو السورة التي كانت تنزل تباعا. فنُهي صلى الله عليه و آله عن هذا الإسراع وضمن له الحفظ والبيان «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ ما يَخْفى».[١]
*** نقل الفرّاء عن بعضهم احتمال عود الضمير في قوله تعالى «وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» إلى محمّد صلى الله عليه و آله عودا إلى معلوم بالحال. فيكون المعنى: وإنّا لمحمّد لحافظون نظير قوله تعالى:
«وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ».
كما يحتمل عوده إلى القرآن، لأنّه الذكر المذكور قبله. والمعنى: وإنّا للقرآن لحافظون أي راعون.[٢]
وقد أخذ المخالف من هذا الاحتمال والترديد ذريعة لنقض الاستدلال بالآية على صيانة القرآن من التغيير والتبديل.[٣]
لكن احتمال عود الضمير إلى محمّد صلى الله عليه و آله احتمال غريب لا مبرّر له بعد صلاحية اللفظ لتعيين مرجع الضمير. والفرّاء إنّما نقله نقلًا، ولم يعتمده ولا وجّهه بتوجيه. وآية العصمة لا صلة لها بآية الحفظ، فضلًا عمّا ذكرنا من رجوعها أيضا إلى عصمة الشريعة وليس المقصود نفسه الكريمة بالذات.
نعم احتمل المخالف أن يكون المراد من الذكر هو الرسول صلى الله عليه و آله كما في قوله تعالى:
«قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً. رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ».[٤] وإطلاق الذكر على النبي صلى الله عليه و آله لكونه مذكّرا!
[١] - الأعلى ٦: ٨٧ و ٧.
[٢] - وهذا لفظه في كتابه« معاني القرآن»، ج ٢، ص ٨٥:« يقال إنّ الهاء التي في« له» يراد بها القرآن. حافظون أي راعون.
ويقال إنّ الهاء لمحمّد صلى الله عليه و آله وإنّا لمحمّد لحافظون». هذا كلامه على إجماله نقلناه هنا مع شيء من التوضيح.
[٣] - فصل الخطاب، ص ٣٦٠.
[٤] - الطلاق ١٠: ٦٥ و ١١.