التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٣ - مسألة تشابه الأحداث في الغابر والحاضر
إلى آيات غيرهنّ صريحات في أنّ التاريخ يعيد نفسه، وأنّ الامم متشابهة في خلقها سواء من غبر ومن حضر.
قال ابنعباس: ما أشبه الليلة بالبارحة. كالذين من قبلكم. هؤلاء بنو إسرائيل شبّهنا بهم، لا أعلم أنّه صلى الله عليه و آله قال: والذي نفسي بيده لتتبعنّهم حتّى لو دخل الرجل منهم جحر ضبّ لدخلتموه.[١]
وعن أبيسعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: لتأخذنّ كما اخذت الامم من قبلكم. قيل: يا رسول اللّه، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلّا هم.[٢]
قال علي عليه السلام: وإنّما تسيرون في أثر بيّن، وتتكلّمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم.[٣]
وقال: الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين- وقال:- آخر فعاله كأوّله، متشابهة اموره، متظاهرة أعلامه.[٤]
تلك حقيقة واقعة لا محيص عنها ما دام الإنسان ذا طبيعة واحدة وصاحب نزعات وميول واتّجاهات متشابهة، أوّله بآخره، ولا يزال.
ولا يخفى أنّ ذلك لا يعني جبرا في مسيرة الحياة، وإنّما هي حكاية عن استعدادات وقابليات يحملها طبيعة الإنسان حملًا أوّليا، صالحا للتربية الصحيحة والاهتداء نحو معالم الصلاح، ولولا ذلك لهدرت تعاليم الأنبياء ولغى تشريع الشرائع وتحكيم القوانين.
فلابدّ من اقتضاء في طبع الإنسان ومن ثمّ هذا العرض!
وإلى ذلك أشارت الآية (١١٩) من سورة هود: «إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ»!
هذا هو المقصود من تشابه ما بين الامم، يعنى في اصول الأخلاق وفي قواعد الحياة الأوّلية، الأمر الذي لايعني خصوصيات المعايش. وفي أساليب الحياة المتناسبة مع
[١] - مجمع البيان، ج ٥، ص ٤٩.
[٢] - المصدر.
[٣] - نهج البلاغة، الخطبة رقم ١٨٣.
[٤] - المصدر، الخطبة رقم ١٥٧.