تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٨
ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين، في حين أنّ «الخَلَف» على وزن «شَرَف» يأتي بمعنى الولد الصالح[١] .
ثمّ يضيف قائلا: وعندما وقعوا بين مفترق طريقين: بين ضغط الوجدان من جهة، والرغبات والمنافع المادية من جهة أُخرى عمدوا إلى الأماني والآمال الكاذبة وقالوا: لنأخذ المنافع الدنيوية فعلا سواءً من حلال أو حرام، والله سيرحمنا ويغفر لنا (ويقولون سيُغفَر لنا).
إنّ هذه الجملة تكشف عن أنّهم كانوا بعد القيام بمثل هذا العمل يتخذون حالة من الندم العابر والتوبة الظاهرية، ولكن هذه الندامة ـ كما يقول القرآن الكريم ـ لم تكن لها أية جذور في أعماق نفوسهم، ولهذا يقول تعالى: (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه).
و«عرض» على وزن «غرض» يعني الشيء الذي لا ثبات له ولا دوام ، ومن هذا المنطق يطلق على متاع العالم المادي اسم العرض، لكونه زائلا غير ثابت في الغالب، فهو يقصد الإِنسان يوماً ويقبل عليه بوفرة بحيث يضيع الإِنسان حسابه ولا يعود قادراً على عده وإحصائه ويبتعد عنه وجمعه وحصره، يوماً آخر بالكلية بحيث لا يملك منه إلاّ الحسرة والتذكر المؤلم، هذا مضافاً إلى أن جميع نعم هذه الدنيا هي أساساً غير دائمة، وغير ثابته[٢] .
وعلى كل حال، فإنّ هذه الجملة إشارة إلى عمليات الإِرتشاء التي كان يقوم بها بعض اليهود لتحريف الآيات السماوية، ونسيان أحكام الله لمضادتها لمصالحهم ومنافعهم المادية.
ولهذا قال تعالى في عقيب ذلك: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا
[١] ـ مجمع البيان، وتفسير ابن الفتوح الرازي، في ذيل الآية الحاضرة.
[٢] ـ يجب الإنتباه، إلى أن «عَرَض» على وزن «غَرض» يختلف عن «عرْض» على وزن (فرض) فالأوّل بمعنى كل رأس مال دنيوي، والثّاني بمعنى المال النقدي.