تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٣
و «يأفكون» مشتقّة من مادة «إفك» على وزن «مسك» وهي تعني في الأصل الإنصراف: عن الشيء، وحيث أن الكذب يصرف الإنسان من الحق أطلق على الكذب لفظ «الإفك».
وهناك احتمال آخر في معنى الآية ذهب إليه بعض المفسّرين، وهو أن عصا موسى بعد أن تحولت إلى حيّة عظيمة لم تبتلع أدوات سحر السحرة، بل عطّلها عن العمل والحركة وأعادها إلى حالتها الأُولى. وبذلك أوصد هذا العمل طريق الخطأ على الناس، في حين أن الإبتلاع لا يمكنه أن يقنع الناس بأنّ موسى لم يكن ساحراً أقوى منهم.
ولكن هذا الإحتمال لا يناسب جملة «تلقف» كما لا يناسب مطالب الآية، لأنّ «تلقف» ـ كما أسلفنا ـ تعني أخذ شيء بدقة وسرعة لا قلب الشيء وتغييره.
هذا مضافاً إلى أنّه لو كان المقرر أن يظهر إعجاز موسى(عليه السلام) عن طريق إبطال سحر السحرة، لم تكن حاجة إلى أن تتحول العصى إلى حيّة عظيمة، كما قال القرآن الكريم في بداية هذه القصّة.
وبغض النظر عن كل هذا، لو كان المطلوب هو إيجاد الشك والوسوسة في نفوس المتفرجين، لكانت عودة وسائل السحرة وأدواتهم إلى هيئتها الأُولى ـ أيضاً ـ قابلة للشك والترديد، لأنّه من الممكن أن يحتمل أن موسى بارع في السحر براعة كبرى بحيث أنّه استطاع إبطال سحر الآخرين وإعادتها إلى هيئتها الأُولى.
بل إن الذي تسبب في أن يعلم الناس بأن عمل موسى أمر خارق للعاده، وأنّه عمل إلهي تحقق بالإعتماد على القدرة والإِلهية المطلقة، هو أنّه كان في مصر آنذاك مجموعة كبيرة من السحرة الماهرين جدّاً، وكان أساتذه هذا الفن وجوهاً معروفة في تلك البيئة، في حين أن موسى الذي لم يكن متصفاً بأي واحدة من هذه الصفات، وكان ـ في الظاهر ـ رجلا مغموراً، نهض من بين بني إسرائيل،