تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٨
أحياناً، وأن لا يفروا من العدوّ بسبب قلّة العدد أبداً.
وممّا يستجلب النظر أنّ أغلب المعارك التي كانت تجري بين المسلمين وأعدائهم كان فيها ميزان القوى لصالح العدو، وكان المسلمون قلّةً غالباً، ولم يكن هذا الأمر قد وقع في حروب الإِسلام في عصر النّبي فحسب ـ كبدر وأحد والأحزاب أو كمعركة مؤتة التي رووا أن جيش المسلمين كان لا يتجاوز ثلاثة آلاف مقاتل، أمّا جيش العدو فأقل ما ذكروا عنه أنّه كان حوالي مئة وخمسين ألفاً، بل حتى الحروب بعد عصر النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقد ذكروا أن فرقاً مذهلا كان بين جيش الإِسلام الذي حرر فارس وجيش الساسانيين، فقد قيل مثلا: إنّ الجيش الإِسلامي كان لا يتجاوز خمسين ألف مقاتل، بينما كان جيش خسرو پرويز خمسمائة ألف مقاتل!
وأمّا في معركة اليرموك التي وقعت بين المسلمين والروم، فقد ذكر المؤرخون أن الجيش الذي جمعه هرقل كان حوالي مئتي ألف مقاتل، بينما كان جيش الإِسلام لا يتجاوز أربعة وعشرين ألفاً!
والأعجب من ذلك أن المؤرخين يذكرون أنّ قتلى جيش الروم في معركة اليرموك كانوا يزيدون على سبعين ألفاً!!
وما من شك أن الموازنة بين القوى أو التفوق العسكري أحد أسباب النصر بحسب الظاهر، ولكن ما هو السبب الذي كان وراء انتصار المسلمين القلة في مثل هذه المعارك؟
والإِجابة على هذا السؤال المهم ذكرها القرآن في الآيتين محل البحث في ثلاثة تعابير:
التّعبير الأوّل: يقول فيه: (عشرون صابرون) ثمّ قوله في الآية بعدها: (مائة صابرة) أي ذوو استقامة وثبات.
والمراد هنا أنّ روح الإِستقامة والثبات، التي هي ثمرة شجرة الإِيمان، كانت