دلالة الصورة الحسية في الشعر الحسيني - عنوز صباح عباس - الصفحة ٨٣ - وظائف الصورة الحسية في الشعر الحسيني
(وخذينا إلى الحتوف حتوفاً *** تشهد الأرض زحفنا والسماءُ)
لقد دأب الشعراء الحسينيون إلى التجسيم فضلاً عن التشبيه الذي يحرص دائماً على طبع وجدان السامع بأشكال وألوان محسوسة؛ لأن الصورة التجسيمية " لا تقف عند حدِّ التجسيمات لمجرد الجمع بين صفات حسية وإنما تعنى بتقديم الصور الجزئية التجسيمية لإظهار شعور أو فكرة فلسفية في الصورة الكلية[١٢٥]".
تأمل قول الشاعر الوائلي في مستهل قصيدته:
هل من سبيلٍ للرُّقاد النائي *** ليداعب الأجفانَ بالإغفاء
بدأ الشاعر بالحكمة، فالرقاد البعيد الذي أراده ليداعب أجفانه بالأغفاء لكي لا يتذكر وجع الطف المؤلم حقق له وظيفةً لولوج القصيدة بصور حسية أسهم في رسمها التشبيه بقوله[١٢٦]:
فانقض مثل الصقر شام فريسةً *** وجلا الصفوف وجال في الإرجاءِ
حتى إذا دفع العدى عن شبله *** آوى إليه بلوعةٍ وبكاءِ
ألفاهُ معفرَّ الجبين تمازجت *** حُمرُ الدماءِ بوجنةٍ بيضاءِ
ورأى شفار المرهفات تلاعبتْ *** بجمال تلك القامة الهيفاءِ
فجثا واقنع للسماءِ بشيبةٍ *** مغمورةٍ بمدامعٍ ودماءِ
فنجد هنا وظيفة الصورة الحسية قد تجلت في جمع الصور الجزئية تحت مظلة صورةٍ كلية، إذ تآلفت الصور العضوية فيما بينها عبر انتقال الصور الجزئية انتقالاتٍ نفسيةٍ مفاجئةٍ، حققت الادراك لوحدة الصورة التي تمثلت في هذا المشهد الشعري الحزين، فكانت الصورة الحركية تتعاضد مع أخواتها من الصور الحركية في (فأنقض
[١٢٥] ظ: النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمة هلال /٤٤٦.
[١٢٦] ديوان الوائلي، شرح وتدقيق: سمير شيخ الأرض، ١٢٩.