دلالة الصورة الحسية في الشعر الحسيني - عنوز صباح عباس - الصفحة ١٧ - المبحث الأول نشأة الصورة الحسّية
كان حضور الصورة الحسية كبيراً فيه, لاسيما تلك التي وردت مبينة أحوال الامم السالفة، آخذة بنظر الاعتبار ذهنية الانسان التي عولت على رؤية البراهين حسياً، وربما كانت علاقة بين هذه الحال والمعاجز التي كانت كلها وقتية حسية انذاك، الا معجزة القرآن الكريم فقد كانت عقلية دائمية؛ لأن العقل بدأ يتطور ويبتعد شيئاً فشيئاً عن التعويل على الحس المطلق في رؤية الأشياء. وبدأ يبحث في علاقة النص القرآني بالتطور العلمي, فتنبه الدارسون إلى الاعجاز العلمي والاعجاز العددي والاعجاز التشريعي والاعجاز الغيبي والاعجاز البياني، وغيرها مما تستوجب من العقل التأمل والتدبر والتفكر لاستنتاجها, وما يهمنا هنا الصورة البيانية في القرآن الكريم التي أخذت مأخذاً مهماً في الدلالة. وظل الاهتمام يعنى بالصورة البيانية في العصرين الاسلامي والاموي ولاسيما الصورة الحسية، حتى إذا وصلنا إلى العصر العباسي كثر التنظير حول الصورة البيانية، وكان أبو تمام رائد جمال الصورة وكان لقوله الشعري:[١٦]
لا تسقني ماء الملام فإنني *** صبٌّ قد استعذبتُ ماء بكائي
وقعاً في النفوس في تكوينه صوراً ابداعية جديدة على وفق ادائه الخاص.
وقد دافع عنه الصولي (٣٣٦ هـ) حينما نقدوه، وأرجعهم إلى قوله تعالى:
)وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا([١٧]).
فكان نقد الادباء لأبي تمام في عصره قد تركز في نقد صوره التي عولت كثيرا على الخيال الجامح، واعتماده على تراسل الحواس في بناء صوره الفنية، لذا جاء الرد النقدي من الصولي وهو يستشهد بالصورة البيانية التي جاءت في النص القرآني أنفا، ولا ريب في ذلك فأن القدرة على تكوين الصور سواء كانت ذهنية او حسية هي
[١٦] ديوان إبي تمام / ٦٣.
[١٧] الاسراء: ٢٤.