دلالة الصورة الحسية في الشعر الحسيني - عنوز صباح عباس - الصفحة ٢١ - المبحث الثاني نشأة الشعر الحسيني
منذ الفاجعة الى يومنا هذا، اذ نمت روحيا بتجدد الزمان، فاخضرت يقيناً في وجدان المخلصين، إذ إن المتتبع لمسار التاريخ يجد المآتم وقد نمت نبتتها لحظة رجوع ثلة من الكوفيين من ساحة الحرب يندبون أنفسهم، ويلومون بعضهم، ويصارعون لوم الضمير، إذ لم تكن لديهم الشجاعة للاصطفاف مع سبط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم), فكانوا أداةً بيد الخوف تسيّرهم أنى شاءت، وبدأ الندب الحسيني ينمو في كل ذهن رجع إلى صوابه، فاتسعت دائرته وكثرة حلقاته وبدا الوعي الجمعي عطشاً لنصرة آل البيت (عليهم السلام)، فأمتد الأمر إلى كل ضمير إنساني وخزته الفاجعة بآلامها. فنبّعت في المشاعر واستطالت من الوجدان شجرة حب للحسين (عليه السلام)، وسقتها عواطف الانتماء الانساني.
لذلك ظل هذا الأمر قائماً حتى تكوّن جيش التوابين الذي انطلق للأخذ بثأر الحسين (عليه السلام)، فهذا الجيش لم يكن بحسب الدليل العقلي ما لم يهيئ له وعي جمعي نتيجةً لتراكم لوم الضمير، وبالفعل فأنهم حينما جهزوا جيشاً قوامه أربعة ألاف فارس وقصدوا رأس النظام في الشام مرّوا بالإمام الحسين (عليه السلام)، فانفجر بوحهم هناك، حتى وصلتنا صرخته الإنسانية، فباح التوابون بالذي خافوا منه بالأمس فكانت صرختهم صوت الضمير المتوجع من التأنيب، وكانت قصائدهم نتاج اللوعة والتأسي وذم الباطل والتيه من جانب، ومن جانب آخر أكبرت القصائد فعل الحسين واله (عليهم السلام) وصحبه الابرار ورأته موقف الحق وعنفوان الشجاعة، فافتخرت بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وآل بيته الأطهار.
إذن مَنِ الذي حفر بئر الوجدان القدسي في عروق القصيدة الحسينية؟ لو وقفنا على أقوالٍ للإمام الحسين (عليه السلام)