دلالة الصورة الحسية في الشعر الحسيني - عنوز صباح عباس - الصفحة ١٨ - المبحث الأول نشأة الصورة الحسّية
عملية صورية وخيالية في ان واحد[١٨], ولقد وردت الصورة في الموروث النقدي للقدامى ولعل أقدمهم الجاحظ (ت:٢٥٥هـ) حين عرّف الصورة بأنها: "ضرب من النسج، وجنس من التصوير[١٩]" وتبعه قدامة بن جعفر (ت:٣٣٧هـ)، وأبو هلال العسكري (ت:٣٩٥هـ)، وعبد القاهر الجرجاني (ت:٤٧١هـ)، وابن الأثير (ت:٦٣٧هـ) وآخرون، وجاء المحدثون من العرب والأجانب وأعطوها تعابير لا تفترق عما سبقهم. فحينما نقارن نصا للإمام علي (عليه السلام) في حديثه عن البليغ: "ما رأيتُ بليغاً قط إلا وله في القولِ ايجاز وفي المعاني إطالة[٢٠]" بتعريف الناقد العالمي (فان) للصورة لوجدنا الرؤية واحدة، اذ يقول (van) عن الصورة: "كلام مشحون شحناً قوياً يتألف عادة من عناصر محسوسة، خطوط ألوان حركة ظلال، تحمل في تضاعيفها فكرة أو عاطفة أي أنها توحي بأكثر من المعنى الظاهر وأكثر من انعكاس الواقع الخارجي، وتؤلف في مجموعها كلاً منسجماً[٢١] فالبلاغة غرضها الافهام والصورة تحمل هذا الافهام باساليب بيانية في اثناء بث قصدية المتحدث إلى السامع، لذلك يؤكد المبدع أولوية الفهم والافهام ويحرص على رفع اللبس عن عمله الادبي، لذا ينتقي الصورة المقنعة. فالصورة نتاج المكونات البلاغية، والبلاغة وسيلة من وسائل الايحاء بالحقيقة عن طريق الخيال. وما الخيال إلا المهاد الذي تتأسس عليه الصورة، فالصورة الحسية هي جمع للحس والخيال معاً في عملية ابداعية يعول عليها الشاعر لإيصال غايته التعبيرية مصورة مرئية محسوسة لدى المتلقي؛ لأن التخيل احلال المعاني في الاذهان
[١٨] قصة الفلسفة، ول ديورانت ترجمة د- فتح الله محمد المشعشع ٥٨١.
[١٩] الحيوان، الجاحظ: ٣/١٣١.
[٢٠] كتاب الصناعتين، ابو هلال العسكري /١٨٠.
[٢١] تمهيد في النقد الحديث، روز غريب /١٩٢ومابعدها.