تاريخ الشيعة السياسي - الجابري، عبدالستار - الصفحة ٦ - مقدمة اللجنة العلمية
المدارس السياسية العالمية على أنها المعارضة الأنضج في برنامجها، والأرشد في أسلوبها، وتوالت الدراسات لهذه الظاهرة السياسية الشيعية وعنت بها المطولات السياسية في قراءاتها لفقه هذه المعارضة حتى قرّضها الكثير من قادة الحركات التحررية، والسياقات الثورية التي لهجت بمواقف علي - الحسن - الحسين ومن ثم الزهراء عليهم السلام، أولئك الذين خلقوا المجد للتاريخ السياسي المعارض، وأصّلوا قواعده وأسسوا مبانيه، وبقيت برامج المعارضة السياسية الناضجة حكراً للموقف الشيعي الذي يستمد تراثياته من القرآن الكريم والسنة النبوية ومواقف أهل البيت ومن تبعهم من أصحابهم وأشياعهم. والذي بين أيدينا بحث من بحوث الطراز السياسي المعارض الذي طالما شغف به القارئ ليقرأه على أنه التوجه الذي يتناغم مع متطلبات الموقف الإنساني ليقرأ فيه الإنسانية المعذبة برموزها علي - الحسن - الحسين ومن ثم فاطمة الزهراء عليهم السلام ومن سار على منهجهم أمثال سلمان، أبو ذر، المقداد، عمار، بلال، أبو الهيثم بن التيهان، وغيرهم، أو الذين يمثلون المرحلة الثانية من المعارضة أمثال ميثم التمار، حجر بن عدي، سعيد بن جبير، وغيرهم، وهكذا تنامت حركة المعارضة لتقرأها على أساس تاريخي له دواعيه ومقتضياته.
والمشكلة الأساسية في مثل هذا المقطع التاريخي أن صانعوه من معارضة النظام الحاكم، وكاتبوه من صنائع النظام الحاكم وبين هؤلاء وأولئك بون شاسع في الرؤية، وفيصل واسع من المواقف، فهؤلاء حريصون على أن يقدّموا الإسلام بأطروحة التأصيل، وأولئك قدّموا الإسلام بأطروحة التأويل، وبين التأصيل والتأويل كذلك بون شاسع، وما تزال المطاردة يبن الأطروحتين على أثرها، وما يزال الاختلاف بين الفلسفتين في أوجه، من هنا ما تزال ماكنة الحاكم تصطنع التأويل، وما يزال العقل السياسي الشيعي يبتكر التنظير.