المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٧٠ - باب ما يكره أن يفعله بنفسه أو ماله
على أن يقطع يده لم يسعه ان يفعل ذلك لان العبد في حكم نفسه باق على أصل الحرية على ما بينا ان ذمته لا تدخل تحت القهر والملك فكما لا يسعه الاقدام على أن يفعل شيأ من ذلك بحر لو أكره عليه فكذلك العبد بخلاف سائر الاموال ( ألا ترى ) أن عند ضرورة المخمصة يجوز له أن يصرف ماله إلى حاجته وليس له أن يقتل عبده ليأكل من لحمه فان فعله كان له أن يأخذ الذى أكرهه بقتله قودا بعبده ان كان مثله ويأخذ دية يده ان كان قطع يده بمنزلة ما لو باشر المكره ذلك بنفسه بناء على أصلنا أن القود يجرى بين الاحرار والمماليك في النفس ولا يجرى فيما دون النفس وان كان الاكراه بحبس لم يكن على المكره شئ وانما عليه الادب بالضرب والحبس والالجاء لم يتحقق فكان فعل القتل مقصورا على المولى فلا يرجع على المكره بشئ وليس على المولى سوى الاثم لان الحق في بدل نفس العبد للمولىولا يستوجب هو على نفسه عقوبة ولا مالا فاما الاثم فهو حق الشرع فكما يصير آثما بالاقدام على قتل الحر مكرها لانه يؤثر روحه على روح من هو مثله في الحرمة ويطيع المخلوق في معصية الخالق وقد نهاه الشرع عن ذلك فكذلك المولى يكون آثما بهذا الطريق ولو ان قاضيا أكره رجلا بتهديد ضرب أو حبس أو قيد حتى يقر على نفسه بحد أو قصاص كان الاقرار باطلا لان الاقرار متمثل بين الصدق والكذب وانما يكون حجة إذا ترجح جانب الصدق على جانب الكذب والتهديد بالضرب والحبس يمنع رجحان جانب الصدق على ما قال عمر رضي الله عنه ليس الرجل على نفسه بامير إذا ضربت أو أوثقت ولم ينقل عن أحد من المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله صحة الاقرار مع التهديد بالضرب والحبس في حق السارق وغيره الا شئ روى عن الحسن بن زياد رضى الله عنه ان بعض الامراء بعث إليه وسأله عن ضرب السارق ليقر فقال ما لم يقطع اللحم أو يبين العظم ثم ندم على مقالته وجاء بنفسه إلى مجلس الامير ليمنعه من ذلك فوجده قد ضربه حتى اعترف وجاء بالمال فلما رأى المال موضوعا بين يدى الامير قال ما رأيت ظلما أشبه بالحق من هذا فان خلى سبيله بعد ما أقر مكرها ثم أخذ بعد ذلك فجئ به فاقر بما كان تهدد عليه بغير اكراه مستقل أخذ بذلك كله لان اقراره الاول كان باطلا ولما خلى سبيله فقد انتهى حكم ذلك الاخذ والتهديد فصار كان لم يوجد أصلا حتى أخذ الآن فاقر بغير اكراه وان كان لم يخل سبيله ولكنه قال له وهو في يده بعد ما أقر انى لا أؤاخذك باقرارك الذى اقررت به ولا أضربك ولا أحبسك ولا أعرض