المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٦٨ - باب ما يكره أن يفعله بنفسه أو ماله
ذلك مما يقتل غالبا فهو والقاء النفس في النار سواء وكذلك لو أكرهه على أن يطرح نفسه في ماء وهنا القود لا يجب على المكره عند أبى حنيفة كما لو ألقاه بنفسه وكذلك عندهما إذا كان يرجى النجاة منه وان كان مما يقتل غالبا يجب القود على المكره واستدل بحديث زيد بن وهب قال استعمل عمر بن الخطاب رجلا على جيش فخرج نحو الجبل فانتهى إلى نهر ليس عليه جسر في يوم بارد فقال أمير ذلك الجيش لرجل انزل فابغ لنا مخاضة نجوز فيها فقال الرجل انى اخاف ان دخلت الماء ان أموت قال فاكرهه فدخل الماء قال يا عمراه يا عمراه ثم لم يلبث ان هلك فبلغ ذلك عمر رضى الله عنه وهو في سوق المدينة قال ياليتكاه ياليتكاه فبعث إلى أمير ذلك الجيش فنزعه وقال لولا أن يكون سنة لاقدته منك ثم غرمه الدية وقال لا تعمل لى عملا أبدا قال وانما أمره الامير بهذا على غير ارادة قتله بل ليدخل الماء فينظر لهم مخاضة الماء فضمنه عمر رضى الله عنه ديته فكيف بمن أمره وهو يريد قتله بذلك وفيه دليل على انه يجب القود على المكره وانه يجب بغير السلاح ومعنى قوله أن يكون سنة يعنى في حق من لا يقصد القتل ويكون مخطئا في ذلك فهو تنصيص على انه إذا كان قاصدا إلى قتله بما لا يلجئه فانه يستوجب القود وأبو حنيفة يقول انما قال عمر رضى الله عنه ذلك على سبيل التهديد وقد يهدد الامام بما لا يتحقق ويتحرز فيه عن الكذب ببعض معاريض الكلام ولو قال لتقطعن يد نفسك أو لاقطعنها انه لم يسعه قطعها لانه ليس بمكره فالمكره من ينجو عما هدد به بالاقدام على ما طلب منه وهنا في الجانبين عليه ضرر قطع اليد وإذا امتنع صارت يده مقطوعة بفعل المكره وإذا أقدم عليه صارت مقطوعة بفعل نفسه وهو يتيقن بما يفعله بنفسه ولايتيقن بما هدده به المكره فربما يخوفه بما لا يحققه فلهذا لا يسعه قطعها ولو قطعها لم يكن على الذى اكرهه شئ لان نسبة الفعل إلى المكره عند تحقق الاكراه والاكراه أن يدفع عن نفسه ما هو أعظم مما يقدم عليه وذلك لا يوجد هنا فإذا لم يكن مكرها اقتصر حكم فعله عليه وكذلك لو قال له لتقتلن نفسك بهذا السيف أو لاقتلنك به لم يكن هذا اكراها لما قلنا ولو قال له لنقتلنك بالسياط أو لتقتلن نفسك بهذا السيف أو ذكر له نوعا من القتل هو أشد عليه مما أمره أن يفعل بنفسه فقتل نفسه قتل به الذى أكرهه لان الاكراه هنا تحقق فان قصد بالاقدام على ما طلب منه دفع ما هو أشد عليه فالقتل بالسياط أفحش وأشد على البدن من القتل بالسيف لان القتل بالسيف يكون في لحظة وبالسياط يطول ويتوالى الالم واليه