المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٤٣ - باب الخيار في الاكراه
حرام وكذلك في مسألة المضطر المستحب للقوي أن لا يمنع من أخذ الطعام ودفعه إلى المضطر لان ذلك يسير لا يجحف به غرمه ولو كان بحيث يجحف به لم أر بأسا أن لا يأخذه ولو رأى رجلا يقتل رجلا وهو يقوى على منعه لم يسعه الا أن يمنعه وان كان يأتي ذلك على نفس الذى أراد قتل صاحبه بخلاف فضل المال لان هذا لا يلتزم غرما بهذا الدفع وان أتى على نفس القاصد فالقاصد باغ قد أبطل دمه بما صنع ( ألا ترى ) أنه إذا قصد قتله فقتله المقصود لم يلزمه شئ فكذلك إذا قصد قتل غيره فقتله هذا الذى يقوى عليه فأما في فضل المال القوى فيلتزم الغرم بما يأخذه لان بسبب الضرورة للمضطر لا تسقط الحرمة والقيمة في حق صاحب المال فلهذا كان له أن يمتنع من ذلك ولو انتهوا إلى بئر فيها ماء فمنع المضطر من الشرب منها فلم يقو عليهم وقوى صاحبه على قتالهم حتى يأخذ الماء فيسقيه اياه لم يسعه الا ذلك وان أتى على أنفسهم لانهم ظالمون في منع المضطر حقه فحق السقيا في ماء البئر ثابت لكل أحد ولو قوى المضطر بنفسه على أن يقاتلهم بالسيف حتى يقتلهم ويخلوا بينه وبين الماء فكذلك من يقوى على ذلك من رفقائه ( ألا ترى ) أنه لا يلتزم غرما يفعله فهو نظير القاصد إلى قتل الغير فأما في الطعام والشراب الذى أحرزوه في أوعيتهم فلم يبق للغير فيه حق وان اضطر إلى ذلك ( ألا ترى ) أنه لا يسعه أن يقاتلهم عليه أن منعوه فكذلك لغيره أن يمتنع من التزام الغرم بأخذه ( ألا ترى ) أن الماء الذي في البئر لو باعوه منه لم يجز بخلاف ما لو أحرزوه في أوعيتهم ولو بذلوا له الطعام أو الشراب بثمن مثل ما يشترى به مثله فأبى أن يأخذه بذلك حتى مات وهو يقدر على ثمنه كان آثما في ذلك لانه في معنى قاتل نفسه حين امتنع من تحصيل ما هو سبب لبقائه مع قدرته على ذلك وقد قال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ولانه ملق نفسه في التهلكة في بالامتناع من آداء الثمن عند عرضهم عليه إذا كان واجدا للثمن ولو قيل له لتشربن هذه الخمر أو لتأكلن هذه الميتة أو لتقتلن ابنك هذا أو أباك لم يسعه شرب الخمر ولا أكل الميتة لانعدام الضرورة ( ألا ترى ) أن هذا بمنزلة التهديد بالحبس في حقه كماقررنا ولو قيل له لتقتلن ابنك هذا أو أباك أو لتبيعن عبدك هذا بألف درهم فباعه فالقياس ان البيع جائز لانه ليس بمكره على البيع فالمكره من يهدد بشئ في نفسه ولكنه استحسن فقال البيع باطل لان البيع يعتمد تمام الرضا وبما هدد به ينعدم رضاه فالانسان لا يكون راضيا عادة بقتل أبيه أو ابنه ثم هذا يلحق الهم والحزن به فيكون بمنزلة الاكراة بالحبس والاكراه