المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٠٨ - باب كتاب القاضى إلى القاضى
بعد العزل كغيره من الرعايا فلا يكون قولا ملزما وان شهد مع آخر لم تقبل شهادته في ذلك لانه يشهد على فعل نفسه ولا شهادة للانسان فيما يخبر به من فعل نفسه فلابد من أن يشهد على قضائه شاهدان سواه ليتمكن المولى بعده من امضائه وإذا رفع قضاء القاضى بعد موته أو عزله إلى قاض يرى خلاف رأيه فان كان مما يختلف فيه الفقهاء أمضاه لاجماع الناس على نفوذ قضاء القاضى في المجتهدات فلو أبطله القاضى الثاني كان هذا منه قضاء بخلاف الاجماع وان كان القضاء الاول خطأ لا يختلف فيه الفقهاء أبطله لانه بخلاف الاجماع أو النص ( ألا ترى ) أن الاول ولو وقف على ذلك من قضاء نفسه أبطله بخلاف مااذا تحول رأيه في المجتهدات فكذلك يفعله المولى بعد موته ولا ينبغى للقاضى أن يكون فظا غليظا جبارا عنيدا لانه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضاء بين الناس فينبغي أن يتحرز عن ما هو منتفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى لم يجعلني جبارا عنيدا وفي صفته في التوارة ليس بفظ ولا غليظ ولاصخاب في الاسواق فصلوات الله عليه ولان هذه أوصاف مذمومة فعلى القاضى أن يتحرز عنها وهو سبب لنفرة الناس عنه قال الله تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب الاية والقاضى مندوب إلى اكتساب ما هو سبب لميل القلوب إليه والاجماع إليه في حوائجهم وينبغى له أن يشتد حتى يستنطق الحق فلا يدع من حق الله تعالى شيئا من غير جبر به وأن يلين حيث ينبغى ذلك في غير ضعف ولا يترك شيئا من الحق لما روينا عن عمر رضى الله عنه قال لا يصلح لهذا الامر الا اللين من غير ضعف القوي من غير عنف وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلين في الامور ويرفق حتى أنهيك شئ من محارم الله فيكون من أشدهم في ذلك وينبغى له أن يتعذر إلى كل من يخاف أن يقع في نفسه عليه شئ إذا قضى عليه وأنى يفسر للخصم ويبين له حتى يعلم انه قد فهم عند حجته وقضى عليه بعد ما فهم وبذلك تنتفى عنه تهمة الميل وينقطع عنه طمع الخصم والعالة فيه ولانه يصون بذلك الخصوم عن الفتنة والشكاية منه وهو مندوب الا أن لا يترك جهده في ذلكوان كان لا يطمع في أمانته الا نادرا فيتقدم القاضى إلى أعوانه والقوام عليه في ترك الحق والشدة على الناس ويأمرهم بالرفق واللين من غير أن يضعوا فيقصروا عن شئ مما ينبغى لانهم ينوبون عنه فيما فوض إليهم فكما يفعل ذلك في حق نفسه يأمر به أعوانه ليكون ذلك سبب تأليف القلوب واجتماع الكلمة عليه ولا ينبغى أن يستعمل على القضاء الا الموثوق به في