المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٧٩
أن كل واحد من الخبرين متردد بين الصدق والكذب فانما يترجح جانب الصدق فيه بالعدالة وحسن حال المخبر فإذا كانت عدالته عند الرجوع أظهر وحاله عند ذلك أحسن فرجحان جانب الصدق في هذين الخبرين بين والظاهر أن رجوعه توبة واستدراك لما كان منه من التفريط والقاضى يتبع الظاهر لانه ما وراء ذلك غيب عنه وإذا كان حاله عند الرجوع دون حاله عنه الشهادة فرجحان جانب الكذب في الرجوع أبين والظاهر أنه بالرجوع قاصد إلى الاضرار بالمقضى له وان كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند أداء الشهادة فعند المساواة يترجح الاول بالسبق واتصال القضاء به فان الشئ لا ينقضه ما هو مثله أو دونه وينقضه ما هو فوقه ولاضمان عليه لانه ما يتناول شيأ انما أخبر بخبر وذلك لم يكن موجبا للاتلاف بدون القضاء والقاضى يختار في قضائه فذلك يمنع اضافة الاتلاف إلى الشهادة فلهذا لا يضمن الشاهد شيأ
وجه قوله الاخر أن ظاهر العدالة ترجح جانب الصدق في الخبر ولكن لا ينعدم به معنى التناقض في الكلام وهو بالرجوع مناقض في كلامه فعدالته عند الرجوع لاتعدم التناقض وكما أن القاضى لا يقضى بالكلام المتناقض فكذلك لا ينقض ما قضاه بالكلام المتناقض ثم جانب الصدق يعين في الشهادة وتأكد ذلك بقضاء القاضى في حق المقضى له فيه بتعين جانبالكذب في الرجوع وإذا كان تهمة الكذب عند الرجوع لفسقه يمنع القاضي من ابطال القضاء فتعين الكذب فيه بدليل شرعى لانه يمنعه من ابطال القضاء أولى فلو أبطل القضاء باعتبار هذا المعنى أدى إلى مالا يتناهى لانه يأتي بعد ذلك فيرجع عن هذا الرجوع فيجب اعادة القضاء الاول ولكن يجب الضمان عليه لاقراره عند الرجوع انه أتلف المال على المشهود عليه بشهادته بغير حق والتناقض لايمنع ثبوت حكم اقراره على نفسه والاتلاف وان كان يحصل بقضاء القاضى فسبب القضاء شهادة للشهود وانما يحال بالحكم على أصل السبب وهذا لان القاضى بمنزلة الملجأ من جهتهم فان بعد ظهور عدالتهم يحق عليه القضاء شرعا ثم السبب إذا كان تعديا بمنزلة المباشرة في ايجاب ضمان المال وقد اقر بالتعدي في السبب الذي كان منهما وبهذا السبب سلط المشهود له على مال المشهود عليه ولو تسلطا عليه باثبات اليد لانفسهما ضمنا فكذلك إذا سلطا الغير عليه لان وجوب الضمان للحاجة إلى الجيران ودفع الضرر والخسران عن المتلف عليه وقد تحققت الحاجة إلى ذلك ولا يمكن ايجاب الضمان على القاضى لانه غير متعدى في القضاء بل هو مباشر لما فرض عليه ظاهرا فتعين الشهود لايجاب الضمان عليهم وعن ابراهيم