المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٠٥ - باب كتاب القاضى إلى القاضى
فاما حد القذف والقصاص وغير ذلك من حقوق الناس والرجوع فيه بعد الاقرار باطل وللقاضي أن يلزمه ذلك باقراره فكذلك له أن يلزمه بمعاينته سبب ذلك لان معاينته السبب أقوى في افادة العلم من اقرار المقربة وهذا إذا رأى ذلك في مصره الذي هو قاض فيه بعد ما قلد القضاء فأما إذا كان رأى ذلك قبل أن يتقلد القضاء ثم استقصى فليس له أن يقضى بعلمه في ذلك عند أبى حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله له أن يقضى بعلمه في ذلك لان علمه بمعاينة السبب لا يختلف بما بعد أن يستقصى وقبله وهو أقوى من العلم الذي يحصل له بشهادة الشهود فان معاينة السبب تفيده علم اليقين وشهادة الشهود لا تفيده ذلك فإذا جاز له أن يقضي بشهادة الشهود عنده فلان يجوز له أن يقضى بعلم نفسه أولى ومذهب أبى حنيفة رحمه الله مروى عن الشعبى وشريح رحمه الله سئل عن هذه المسألة فقال أتى شريح رحمه الله مثلها وأنا شاهد فقال أنت الامير حتى أشهد لك فقال أنشدك بالله أن يذهب حقى وأنت تعلم فقال أنت الامير حتى أشهد لك والمعنى فيه أنه حين عاين السبب فقد استفاد به علمالشهادة وبان استقصى بعد ذلك لا يزداد علمه بذلك وعلم القضاء فوق علم الشهادة فان علم القضاء ملزم والشهادة بدون القضاء لا تكون ملزمة بخلاف مااذا رأى وهو قاضي لانه استفاد علم القضاء هناك بمعاينة السبب والدليل على الفرق أن ما يستفيد من العلم بمعاينة السبب وما يستفيده بشهادة الشهود عنده في الحكم سواء ثم شهادة الشهود عنده بعد ما استقصى تفيده علم القضاء وقبل أن يستقصى لا تفيد له ذلك حتى لو استقصى شاهد الفرع لم يكن له أن يقضى بما كان من شهادة الاصول عنده ما لم يشهدوا بذلك بعد ما استقصى فكذلك عند معاينة السبب وعلى هذا الخلاف لو عاين السبب بعد ما استقصى ولكن في غير مصره ثم لما انتهى إلى مصره خوصم في ذلك لانه حين عاين السبب لم يكن له أن يقضي به في ذلك الموضع فهو ومالو علم قبل أن يستقصى سواء ولو عاين ذلك في مصره وهو قاض ثم عزل ثم أعيد على القضاء فلا شك أن عندهما له أن يقضى بعلمه ومن أصحابنا رحمهم الله من قال عند أبى حنيفة رحمه الله أيضا له أن يقضى بعلمه لانه استفاد علم القضاء بمعاينة السبب حتى لو قضى به في ذلك الوقت جاز ذلك فكذلك إذا قضى به بعد ما قلد ثانيا والاصح أنه على الخلاف لانه بعد ما عزل لم يبق له في تلك الحادثة الا علم الشهادة فهو ومالو علم به بعد ما عزل سواء
توضيحه أنه لو سمع شهادة الشهود فلم يقض بها حتى عزل ثم أعيد على القضاء لم يقض بتلك الشهادة بخلاف ما قبل العزل فكذلك إذا عاين