المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٠٩ - باب كتاب القاضى إلى القاضى
عفافه وصلاحه وعقله وفهمه وعلمه بالسنة والآثار ووجوه الفقه التى يأخذ منها الكلام فانه لا يستقيم أن يكون صاحب رأى ليس له علم بالسنة والاحاديث فمثله يضل الناس كما ورد به الاثر
اياكم وأصحاب الرأى أعيتهم أن يحفظوها فيسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ولاصاحب حديث ليس له علم بالفقه فقد شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحب الحديث ان يعى ما سمعه أولا يقوله قال صلوات الله عليه وسلامه نصر الله امرءا سمع منا مقالة فوعاها كما سمعها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه فعرفنا أنه لا يستقيم واحد منهما الا بصاحبه والامام مأمور بان لا يقلد أحدا شيئا من عمل المسلمين الا إذا علم صلاحه لذلك قال صلى الله عليه وسلم من قلد غيره عملا وفى رعيته من هو أولى به منه فقد خان الله ورسوله وخان جماعة المسلمين وعمل القضاء من أهم أمور الدين واعمال المسلمين فلا يختار له الا من يعلم انه صالح لذلك مؤدي الامانة فيه وذلك عند اجتماع الخصال المذكورة فيه وإذا كان لا يؤتمن على شئ من المال من لايعرف بالامانة أو يعجز عن أدائها فلئلا يؤتمن على أمر الدين أولى فكما لا يختار للقضاء الا من يحتمع فيه هذه الشرائط فكذلك للفتوى فان القاضى يفتى وقد كان القاضى في الصدر الاول يسمى مفتيا فلا ينبغى لاحد أن يفتى الا من كان هكذا الا أن يفتي شيئا قد سمعه فيكون حاكيا ما سمع من غيره بمنزلة الراوى لحديث سمعه يشترط فيه ما يشترط في الراوى من العقل والضبط والعدالة والاسلام لان الخبر كلام فلا يتحقق بصورته ومعناه في الراوى من غير العاقل وما من موجود في الدنيا الا وهو معتبر لصورته ومعناه فإذا كان المعنى المطلوب من الكلام البيان ولايحصل ذلك الا بالعقل عرفنا ان العقل في المخبر شرط والضبط كذلك لان قبول الخبر منه باعتبار رجحان جانب الصدق فيه ولا يحصل ذلك الضبط والفهم والعدالة الا بذلك فرجحان جانب الصدق بالعدالة يكون لانه إذا لم ينزجر عما يعتقده حراما في دينه لا ينزجر عن الكذب أيضا واشتراط الاسلام لان الكفر ينافى رجحان جانب الصدق في خبره لان هذا من باب الدين وهم يعاودن الدين الحق ويسعون في هدمه بما يقدرون عليه فشرطنا الاسلام لذلك وبعد ما استجمع في القاضى هذه الشرائط لا يولى القضاء ما لم يكن له علم بالقضاء والمراد من هذا اللفظ العلم المتعارف بين الناس ولسانهم من استعمال الحقيقة والمجاز فالقاضي لا يستغنى عن ذلك ويتعذر عليه تنفيذ بعض القضاء إذا لم يكن عالما بذلك ولا يولى القضاء أعمى ولا محدود في قذف