البداء على ضوء الكتابِ والسنّة

البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧

يرفع في الواقع، ونفس الأمر ومن رأس (كأن لم يكن حكماً) كي يكون مستحيلاً على الحكيم العالم بالواقعيّات، بل هو بمعنى أن يكون «الحكم المجعول مقيداً بزمان معلوم عند الله مجهول عند الناس» ويكون ارتفاعه بعد انتهاء ذلك الزمان لانتهاء أمده الذي قيِّد به وحلول غايته الواقعيّة الّتي أُنيط بها، ومن المعلوم أنّ للزمان دخالة في مناطات الأحكام، فيمكن أن يكون الفعل مشتملاًعلى مصلحة في سنين معيّنة ثمّ لا تترتّب عليه تلك المصلحة بعد انتهاء تلك السنين، وعندئذ ربما تقتضي المصلحة بيانَ الحكم على وجه الإطلاق مع أنّ المراد هو المحدود بالحدّ الزماني، فالنسخ بهذا المعنى تقييد لإطلاق الحكم من حيث الزمان، ولا يستلزم ذلك مخالفة الحكمة أو «البداء» بالمعنى المستحيل في حقّه تعالى.

هذا كلّه حول «النسخ في التشريع» .

وأمّا «النسخ في التكوين» فيراد منه أنّ الإنسان في حياته مخيّر غير مسيّر، وأنّ له تغيير مصيره إذا غيّر مسيره.

فالإنسان حرّ مختار طيلة حياته، له أن يجعل نفسه ـ في ما تبقى من حياته ـ من السعداء أو من الأشقياء، على خلاف ما ذهبت إليه اليهود، حيث زعموا: أنّ قلم التقدير والقضاء إذ جرى على الأشياء في الأزل، استحال ان تتعلّق المشيئة بخلافه.

وبعبارة أُخرى، ذهبوا إلى أنّ الله قد فرغ من أمر النظام وجفّ