البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٦
يمحوه أو مع عدم علمه به لما أُشير إليه من عدم الإحاطة بتمام ما جرى في علمه تعالى وإنّما يخبر به لأنّه ـ حال الوحي أو الإلهام لارتقاء نفسه الزكية واتصاله بعالم لوح المحو والإثبات ـ اطّلع على ثبوته، ولم يطّلع على كونه معلّقاً على أمر غير واقع، أو عدم الموانع، قال الله تبارك وتعالى: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ).
كيف يصحّ إطلاق البداء على الله مع أنّه بمعنى الظهور بعد الخفاء؟ …
نعم من شملته العناية الإلهية واتّصلت نفسه الزكية بعالم اللوح المحفوظ الذي هو من أعظم العوالم الربوبية وهو أُمّ الكتاب، تنكشف عنده الواقعيات على ما هي عليها، كما ربّما يتّفق لخاتم الأنبياء، ولبعض الأوصياء، وكان عارفاًبالكائنات كما كانت وتكون. نعم مع ذلك ربّما يُوحى إليه حكم من الأحكام تارة بما يكون ظاهراً في الاستمرار والدوام مع أنّه في الواقع له غاية وأمد يعيّنها بخطاب آخر، وأُخرى بما يكون ظاهراً في الجد مع أنّه لا يكون واقعاً بجد، بل لمجرد الاختبار والابتلاء، كما أنّه يؤمر وحياً أو إلهاماً بالإخبار بوقوع عذاب أو غيره ممّا لا يقع لأجل حكمة في هذا الإخبار أو ذاك الإظهار، فبدا له تعالى بمعنى أنّه يُظهر ما أمر نبيّه أو وليّه بعدم إظهاره أوّلاً، ويبدي ما خفي ثانياً. وإنّما نسب إليه تعالى البداء مع أنّه في الحقيقة الإبداء، لكمال مشابهة إبدائه تعالى كذلك بالبداء في غيره، وفي ما ذكرنا كفاية.[١]
[١] كفاية الأُصول للمحقّق الآخوند الخراساني: ١ / ٣٧٣ ـ ٣٧٥ .