البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٤
والصدقة في قصّة المسيح، والنبي الأكرم صلوات الله عليهما قد غيّر التقدير، فصار صالح الأعمال مغيّراً للمقدّر، وهذا بنفسه نفس البداء الذي قد شيّدنا برهانه.
هذا جواب السؤال الأوّل. وأمّا السؤال الثاني فخلاصة الجواب عنه: أنّ لله تبارك وتعالى لوحين: الأوّل اللوح المحفوظ، فهو اللوح الذي لا تغيير لما كتب فيه، ولا تبديل لما قدّر فيه، وهو مطابق لعلم الله تعالى.
الثاني: لوح المحو والإثبات فيكتب فيه شيء حسب وجود مقتضيه، ولكنّه لا يلبث أن يمحى لفقدان شرطه أو وجود مانعه، مثلاً: يكتب في هذا اللوح مقدار عمر زيد وانّه خمسون سنة، ومعناه أنّ المقتضي لعمره إلى ذلك الحين موجود. ومع ذلك فليس ذلك (أي المقتضي) علّة تامّة لذلك الحد من العمر، بل جزء علّة، أو علّة ناقصة ومقتض له، فيجوز فيه التبدّل والتغيّر بالزيادة والنقيصة فإذا وصل الرحم يتغيّر التقدير الأوّل، ويتبدّل إلى ستين كما أنّه إذا قطع الرحم يتبدّل الخمسون إلى الأربعين، فصالح الأعمال وطالحها مؤثّرة في تغيير التقدير الأوّل بالزيادة والنقيصة.
وليس هذا (أي الحكم حسب المقتضي) أمراً بدعاً، بل له نظائر في الحياة، فالطبيب الحاذق إذا اطّلع على مزاج شخص يقدّر عمره ستين سنة لكن هذا التقدير يتغيّر بالأعمال الصحيحة