البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥
النزاع في البداء لفظيّ لا معنويّ
ولو أنّ القوم طرحوا هاتين المسألتين في جوّ هادئ، وبتجرّد عن الأهواء والعصبيّات واستمعت كلّ طائفة إلى ما تقوله الطائفة الأُخرى، لوقفوا على «وحدة العقيدة» في كلتا المسألتين، ولعرفوا أنّ النزاع لفظيّ لا معنويّ حقيقي.
ولقد أشار معلّم الشيعة الإماميّة الشيخ المفيد (رحمه الله) (٣٣٨ ـ ٤١٣ هـ) إلى هذه الحقيقة، وأنّ النزاع بين الموافق للبداء والمخالف له لفظيّ لا معنويّ إذ قال: أمّا إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله عزّ وجلّ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحّته لما استجزت إطلاقه، كما أنّه لولم يرد عليَّ سمعٌ بأنّ الله يغضب ويرضى ويحبّ ويعجب لما أطلقت ذلك عليه، سبحانه، ولكنّه لمّا جاء السمع به صرت إليه على المعاني الّتي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافّة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالف من خالفهم في اللّفظ دون ما سواه، وقد أوضحت من علّتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الإماميّة بأسرها، وكلّ من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه.[١]
ولا يفوتني أن أذكر أنّ أحد أعلام السنّة في مجلس الخبراء
[١] أوائل المقالات: ٩٢ ـ ٩٣ .