البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٢
٣. إنّ عمله سبحانه ينقسم إلى: علم ذاتي، وإلى علم فعلي. فعلمه الذاتي نفس ذاته، ولا يحصل فيه تغيّر وتبدّل; وأمّا علمه الفعلي فهو عبارة عن لوح «المحو والإثبات» والملائكة ونفوس الأنبياء والأولياء فإنّها مظاهر لعلم الله، فإذا قالوا: بدا لله في علمه، فمرادهم وقوع «البداء» في هذه العلوم، ونسبته إليه تعالى مجاز عقلي، لأنّهم حملة تلك العلوم ووسائطها.
وإن شئت قلت: إنّ مراتب علمه سبحانه مختلفة ومحالّها متعدّدة، فأوّلها وأعلاها: العلم الذاتي المقدّس عن التكّثر والتغيّر، وهو محيط بكلّ شيء، وكلّ شيء حاضر عنده بذاته; وغيره علمه الفعلي، أي أنَّ بعض أفعاله مظاهر علمه كلوح المحو والإثبات ونفوس الملائكة والأنبياء، فبما أنّ تلك النفوس لا تنتقش فيها الحوادث دفعةً واحدةً لجزئيتها، وعدم تناهي الحوادث، بل تطّلع عليها تدريجاً وشيئاً فشيئاً، فربّما تطّلع على شيء وسببه، ثم تطّلع على سبب آخر يقتضي عدمه (عدم ذلك الشيء) فيبدو لهم خلاف ما علموا أوّلاً، وحينئذ يقولون: بدا لله، أو بدا في علمه، فالمراد: البداء في علمه الفعلي لاعلمه الذاتي.
قال صدر المتألّهين: إنّ للأسماء الحسنى مظاهر ومجاري، ولله تعالى عباداً ملكوتيين، أفعالهم كلّها طاعة له سبحانه، وبأمره يفعلون ما يفعلون، ولا يعصون الله في شيء من أفعالهم وإرادتهم،