البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠
أسلفنا ـ تأويلها بحيث تجتمع مع البراهين العقليّة، والآيات القرآنيّة، وسائر الأحاديث، وإلاّ فكيف يمكن تصديق ظواهرها، فإنّ التقدير لو كان يجري في أفعاله ولا يحيد عنها قيد شعرة يستلزم حكومة القدر على مشيئته وإرادته واختياره، وهو أعظم ظلم وتعدّ على ساحته وحقوقه، فكلّ من قال بهذه المسألة يشمله قوله سبحانه: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ)[١] .
إذ عندما يكون سبحانه محجوراً عليه ممنوعاً من التصرّف بما يشاء، أزلاً وأبداً وفي كلّ وقت يفترض فيه أنّه قد حدث فيه التقدير، فإنّ القدر يكون سابقاً عليه قبل ذلك، فالقدر هو شريك الله في القدم، ولأجل ذلك يصير القائل بهذا المعنى كالمجوس في الثنويّة وتعدّد الآلهة.
وفي الختام نقول: إنّ المسلمين ـ تبعاً للقرآن الكريم والأحاديث الشريفة الصحيحة ـ متّفقون على التقدير في أفعاله سبحانه، وأفعال عباده غير أنّه لابدّ أن يفسَّر القدر على وجه لا يعارض سلطانه سبحانه، ولا يكون إلهاً ثانياً في مقابله كما لا يعارض حرّية الإنسان واختياره فيجعله مكتوف اليدين فعندئذ يكون توجيه الأمر والنهي إليه مثل حال من قيل في شأنه:
[١] المائدة: ٦٤ .