البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١
يشاء، لا يمنعه عن ذلك مانع. وما تتخيّله اليهود وما انتحلوه من أنّ الله قد فرغ من الأمر وانتهى من الإيجاد والتكوين فصار مكتوف اليدين، مسلوب القدرة، إنّما هو أمر باطل تردّه البراهين الفلسفيّة، والآيات القرآنيّة والأحاديث الصحيحة.
فهذا هو القرآن الكريم يصرّح بكونه: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن)وأنّه كما يقول سبحانه عن نفسه: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)[١] والآية مطلقة غير مقيّدة بزمان دون زمان.
ولأجل ذلك ينسب إلى نفسه كلّ ما يرجع إلى الخلق والإيجاد في كثير من الآيات، ويبيّن ذلك بصيغ فعليّة استقباليّة دالّة على الاستمرار، وناصّة على أنّ الفيض والخلق والإيجاد والتدبير بعد مستمر.
يقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ )[٢] .
فالأفعال المتعدّدة الواردة في هذه الآية أعني قوله: (يُزْجِي، و يُؤَلِّفُ، و يَجْعَلُهُ، و يَخْرُجُ، وَيُنَزِّلُ) يكشف عن كونه كلّ يوم هو في شأن، وأنّ أمر الخلق والإيجاد والتصرّف بعد مستمرّ ولم يفرغ
[١] الأعراف: ٥٤ .
[٢] النور: ٤٣ .