البداء على ضوء الكتابِ والسنّة

البداء على ضوء الكتابِ والسنّة - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨

القلم بما كان فلا يمكن لله سبحانه محو ما أثبت، وتغيير ما كتب أوّلاً.[١]

ويردّهم القرآن الكريم في مجال التشريع بقوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)[٢].[٣]



[١] قال صاحب تفسير الكشّاف: إنّ عبدالله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكّلتْ عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي (ثمّ ذكر) قوله تعالى: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) الرحمن: ٢٩. وقد صحّ أنّ القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة.
فقال الحسين:... وأمّا قوله: (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) فإنّها شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها» .
وهذه العبارة تكشف عن تسّرب عقيدة اليهود إلى بعض المسلمين، ولا شك أنّ ما ذكره الحسين باطل، لأنّه تعالى (كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن) يحدث للأشياء ويبتدي بها، لا أنّه يبديها بعد ما ابتدأها في الأزل.
ويدلّ على هذا الأمر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «الحمدلله الذي لا يموت ولا ينقضي عجائبهُ لأنّه كُلَّ يَوْم هُوَ في شَأن من إحداث بديع لم يكن» فإنّه صريح في أنّ الله تعالى يحدث في كلّ وقت ما أراد إحداثه من الأشخاص والأحوال.
[٢] البقرة: ١٠٥ ـ ١٠٦ .
[٣] ويظهر من كثير من المفسّرين تفسير الآية بالشريعة المحمدية، وأنّه سبحانه يقول: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)ويفسّرون نسخ الآية بنسخ حكم الآية، وننسها بإزالة الآية من ذاكرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ ضربوا يميناً وشمالاً محاولين توجيه النسيان، وعدم اجتماعه مع قوله سبحانه: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى) الأعلى: ٦ .
وهذه التكلّفات ناشئة عن الغفلة عن هدف الآية، وأنّها راجعة إلى نسخ الشرائع السماويّة السابقة بواسطة الإسلام، والمراد من نسيانها نسيان تلك الكتب، والشرائع بحيث حرّفت وبدّلت حتّى صارت حقيقتها نسياً منسياً.
ونسبة الإنساء إلى الله نسبة مجازيّة، كما نسب إليه الإضلال باعتبار تمرّد المنتسبين حتّى خرجوا عن أهلية اللطف والتوفيق. لاحظ للتوسّع: آلاء الرحمن: ١ / ١٠٤ .