إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٦ - الباب السادس
و خوف الخاتمة و قد أمن.و قال أبو عمرو بن العلاء.جلست إلى جرير و هو يملى على كاتبه شعرا ،فأطلعت جنازة فأمسك و قال.شيبتني و اللّه هذه الجنائز.و أنشأ يقول
تروعنا الجنائز مقبلات و نلهو حين تذهب مدبرات
كروعة ثلة لمغار ذئب فلما غاب عادت راتعات
فمن آداب حضور الجنائز التفكر و التنبه،و الاستعداد،و المشي أمامها على هيئة التواضع كما ذكرنا آدابه و سننه في فن الفقه و من آدابه حسن الظن بالميت و إن كان فاسقا،و إساءة الظن بالنفس و إن كان ظاهرها الصلاح،فإن الخاتمة مخطرة لا تدري حقيقتها.و لذلك روي عن عمر بن ذر أنه مات واحد من جيرانه،و كان مسرفا على نفسه،فتجافى كثير من الناس عن جنازته،فحضرها هو و صلى عليها،فلما دلى في قبره وقف على قبره و قال:يرحمك اللّه يا أبا فلان،فلقد صحبت عمرك بالتوحيد،و عفّرت وجهك بالسجود.و إن قالوا مذنب و ذو خطايا،فمن منا غير مذنب و غير ذي خطايا؟.و يحكى أن رجلا من المنهمكين في الفساد مات في بعض نواحي البصرة،فلم تجد امرأته من يعينها على حمل جنازته،إذ لم يدر بها أحد من جيرانه لكثرة فسقه .فاستأجرت حمالين،و حملتها إلى المصلى،فما صلى عليه أحد،فحملتها إلى الصحراء للدفن فكان على جبل قريب من الموضع زاهد من الزهاد الكبار،فرأته كالمنتظر للجنازة،ثم قصد أن يصلى عليها.فانتشر الخبر في البلد بأن الزاهد نزل ليصلي على فلان فخرج أهل البلد،فصلى الزاهد و صلوا عليه،و تعجب الناس من صلاة الزاهد عليه ،فقال:قيل لي في المنام انزل إلى موضع فلان ترى فيه جنازة ليس معها أحد إلا امرأة فصلّ عليه فإنه مغفور له.فزاد تعجب الناس،فاستدعى الزاهد امرأته،و سألها عن حاله،و أنه كيف كانت سيرته.قالت كما عرف،كان طول نهاره في الماخور مشغولا بشرب الخمر.فقال انظرى هل تعرفين منه شيئا من أعمال الخير؟قالت نعم،ثلاثة أشياء.كان كل يوم يفيق من سكره وقت الصبح يبدل ثيابه،و يتوضأ،و يصلى الصبح في جماعة،ثم يعود إلى الماخور،و يشتغل بالفسق و الثاني أنه كان أبدا لا يخلو بيته من يتيم أو يتيمين،و كان إحسانه إليهم أكثر من إحسانه إلى أولاده،و كان شديد التفقد لهم .و الثالث أنه كان يفيق في أثناء سكره في ظلام الليل