إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٤ - وفاة
أنت و أبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة.و كان العباس أكثرهم رقيقا.فقال ابن عباس:
إن شئت فعلت.أي إن شئت قتلناهم.قال بعد ما تكلموا بلسانكم،و صلوا إلى قبلتكم، و حجوا حجكم،فاحتمل إلى بيته،فانطلقنا معه.قال و كأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ.قال فقائل يقول أخاف عليه،و قائل يقول لا بأس.فأتي [١]بنبيذ فشرب منه، فخرج من جوفه.ثم أتي بلبن فشرب منه،فخرج من جوفه.فعرفوا أنه ميت .قال:
فدخلنا عليه،و جاء الناس يثنون عليه،و جاء رجل شاب فقال:أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى من اللّه عز و جل،قد كان لك صحبة من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،و قدم في الإسلام ما قد علمت،ثم ولّيت فعدلت،ثم شهادة فقال وددت أن ذلك كان كفافا لا علي و لا لي.
فلما أدبر الرجل إذا إزاره يمسّ الأرض،فقال ردوا علي الغلام.فقال يا ابن أخي،ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك،و أتقى لربك.ثم قال :يا عبد اللّه انظر ما عليّ من الدين.فحسبوه فوجدوه ستة و ثمانين ألفا أو نحوه.فقال إن وفّى به مال آل عمر فأدّه من أموالهم، و إلا فسل في بني عدي بن كعب،فإن لم تف أموالهم فسل في قريش،و لا تعدهم إلى غيرهم و أدّ عنى هذا المال.انطلق إلى أم المؤمنين عائشة،فقل عمر يقرأ عليك السلام،و لا تقل أمير المؤمنين.فإنى لست اليوم للمؤمنين أميرا.و قل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه.فذهب عبد اللّه فسلم و استأذن،ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي.فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام،و يستأذن أن يدفن مع صاحبيه.فقالت كنت أريده لنفسي،و لأوثرنه اليوم على نفسي.فلما أقبل قيل هذا عبد اللّه بن عمر قد جاء،فقال:
ارفعوني،فأسنده رجل إليه،فقال ما لديك؟قال الذي تحب يا أمير المؤمنين ،قد أذنت.
قال:الحمد للّٰه،ما كان شيء أهم إليّ من ذلك،فإذا أنا قبضت فاحملوني،ثم سلّم و قل:يستأذن عمر.فإن أذنت لي فأدخلونى،و إن ردتنى ردوني إلى مقابر المسلمين و جاءت أم المؤمنين حفصة و النساء يسترنها،فلما رأيناها قمنا،فولجت عليه،فبكت عنده ساعة.و استأذن الرجال،فولجت داخلا،فسمعنا بكاءها من داخل.فقالوا أوص يا أمير المؤمنين و استخلف.فقال ما أرى أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو عنهم راض.فسمى عليا،و عثمان،و الزبير،
[١] النبيذ:شراب من التمر غير مسكر