إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - التفكر في ملكوت السموات
حيواناته،و بدائع نقوشه،ثم لا تتحدّث فيه،و لا تلتفت بقلبك إليه،فما هذا البيت دون ذلك البيت الذي تصفه،بل ذلك البيت هو أيضا جزء من الأرض التي هي أخس أجزاء هذا البيت،و مع هذا فلا تنظر إليه،ليس له سبب إلا أنه بيت ربك،هو الذي انفرد ببنائه و ترتيبه،و أنت قد نسيت نفسك،و ربك،و بيت ربك،و اشتغلت ببطنك و فرجك،ليس لك همّ إلا شهوتك أو حشمتك،و غاية شهوتك أن تملأ بطنك،و لا تقدر على أن تأكل عشر ما تأكله بهيمة،فتكون البهيمة فوقك بعشر درجات،و غاية حشمتك أن تقبل عليك عشرة أو مائة من معارفك فينافقون بألسنتهم بين يديك،و يضمرون خبائث الاعتقادات عليك،و إن صدقوك في مودتهم إياك فلا يملكون لك و لا لأنفسهم نفعا و لا ضرا،و لا موتا و لا حياة و لا نشورا ،و قد يكون في بلدك من أغنياء اليهود و النصارى من يزيد جاهه على جاهلك،و قد اشتغلت بهذا الغرور،و غفلت عن النظر في جمال ملكوت السموات و الأرض،ثم غفلت عن التنعم بالنظر إلى جلال مالك الملكوت و الملك،و ما مثلك و مثل عقلك إلا كمثل النملة تخرج من جحرها الذي حفرته في قصر مشيد من قصور الملك،رفيع البنيان،حصين الأركان،مزين بالجواري و الغلمان،و أنواع الذخائر و النفائس،فإنها إذا خرجت من جحرها،و لقيت صاحبتها،لم تتحدث لو قدرت على النطق إلا عن بيتها و غذائها،و كيفية ادخارها،فأما حال القصر و الملك الذي في القصر فهي بمعزل عنه و عن التفكر فيه،بل لا قدرة لها على المجاوزة بالنظر عن نفسها و غذائها و بيتها إلى غيره،و كما غفلت النملة عن القصر و عن أرضه،و سقفه،و حيطانه،و سائر بنيانه،و غفلت أيضا عن سكانه،فأنت أيضا غافل عن بيت اللّه تعالى،و عن ملائكته الذين هم سكان سماواته،فلا تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك،و لا تعرف من ملائكة السموات إلا ما تعرفه النملة منك و من سكان بيتك.نعم ليس للنملة طريق إلى أن تعرفك و تعرف عجائب قصرك و بدائع صنعة الصانع فيه،و أما أنت فلك قدرة على أن تجول في الملكوت و تعرف عن عجائبه ما الخلق غافلون عنه ،و لنقبض عنان الكلام عن هذا النمط فإنه مجال لا آخر له،و لو استقصينا أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضل اللّه تعالى علينا بمعرفته و كل ما عرفناه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه جملة العلماء و الأولياء:و ما عرفوه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه الأنبياء عليهم الصلاة و السلام.و جملة ما عرفوه قليل