إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٧ - طريق الفكر في الأرض
و قد أكثر في كتابه العزيز من ذكر الأرض ليتفكر في عجائبها.فظهرها مقر للأحياء،و بطنها مرقد للأموات.قال تعالى أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفٰاتاً أَحْيٰاءً وَ أَمْوٰاتاً [١]فانظر إلى الأرض و هي ميتة،فإذا أنزل عليها الماء اهتزت و ربت،و اخضرت و أنبتت عجائب النبات،و خرجت منها أصناف الحيوانات ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات،الشوامخ الصم الصلاب، و كيف أودع المياه تحتها،ففجر العيون و أسال الأنهار تجرى على وجهها،و أخرج من الحجارة اليابسة و من التراب الكدر ماء رقيقا،عذبا،صافيا،زلالا،و جعل به كل شيء حيّ،فأخرج به فنون الأشجار و النبات،من حب،و عنب،و قضب،و زيتون،و نخل و رمان،و فواكه كثيرة لا تحصى،مختلفة الأشكال،و الألوان،و الطعوم،و الصفات، و الأراييح ،يفضل بعضها على بعض في الأكل،تسقى بماء واحد،و تخرج من أرض واحدة فإن قلت:إن اختلافها باختلاف بذورها و أصولها،فمتى كان في النواة نخلة مطوقة بعناقيد الرطب؟و متى كان في حبة واحدة سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؟ ثم انظر إلى أرض البوادي و فتش ظاهرها و باطنها،فتراها ترابا متشابها،فإذا أنزل عليها الماء اهتزت و ربت و أنبتت من كل زوج بهيج،ألوانا مختلفة،و نباتا متشابها و غير متشابه،لكل واحد طعم،و ريح،و لون،و شكل يخالف الآخر،فانظر إلى كثرتها و اختلاف أصنافها،و كثرة أشكالها،ثم اختلاف طبائع النبات و كثرة منافعه،و كيف أودع اللّه تعالى العقاقير المنافع الغريبة،فهذا النبات يغذى،و هذا يقوى،و هذا يحيى، و هذا يقتل،و هذا يبرد،و هذا يسخن،و هذا إذا حصل في المعدة قمع الصفراء من أعماق العروق،و هذا يستحيل إلى الصفراء،و هذا يقمع البلغم و السوداء،و هذا يستحيل إليهما و هذا يصفى الدم،و هذا يستحيل دما،و هذا يفرح،و هذا ينوّم،و هذا يقوى،و هذا يضعف،فلم تنبت من الأرض ورقة و لا تبنة إلا و فيها منافع لا يقوى البشر على الوقوف على كنهها،و كل واحد من هذا النبات يحتاج الفلاح في تربيته إلى عمل مخصوص،فالنخل تؤبر،و الكرم يكسح،و الزرع ينقى عنه الحشيش و الدغل،و بعض ذلك يستنبت ببث
[١] المرسلات:٢٥