إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٢ - و أما النوع الرابع و هو المنجيات
فإنّك مفارقه و عش ما شئت فإنّك ميّت و اعمل ما شئت فإنّك مجزىّ به»فإن هذه الكلمات جامعة حكم الأولين و الآخرين،و هي كافية للمتأملين فيها طول العمر،إذ لو وقفوا على معانيها و غلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم،و لحال ذلك بينهم و بين التلفت إلى الدنيا بالكلية.فهذا هو طرق الفكر في علوم المعاملة و صفات العبد من حيث هي محبوبة عند اللّه تعالى أو مكروهة.و المبتدئ ينبغي أن يكون مستغرق الوقت في هذه الأفكار حتى يعمر قلبه بالأخلاق المحمودة و المقامات الشريفة،و ينزه باطنه و ظاهره عن المكاره،و ليعلم أن هذا مع أنه أفضل من سائر العبادات فليس هو له غاية المطلب ،بل المشغول به محجوب عن مطلب الصديقين،و هو التنعم بالفكر في جلال اللّه تعالى و جماله،و استغراق القلب بحيث يفنى عن نفسه،أي ينسى نفسه،و أحواله،و مقاماته،و صفاته،فيكون مستغرق الهم بالمحبوب،كالعاشق المستهتر عند لقاء الحبيب،فإنه لا يتفرغ للنظر في أحوال نفسه و أوصافها،بل يبقى كالمبهوت الغافل عن نفسه،و هو منتهى لذة العشاق فأما ما ذكرناه فهو تفكر في عمارة الباطن ليصلح للقرب و الوصال،فإذا ضيّع جميع عمره في إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب؟و لذلك كان الخوّاص يدور في البوادي،فلقيه الحسين بن منصور و قال:فيم أنت؟قال:أدور في البوادي أصلح حالي في التوكل فقال الحسين:أفنيت عمرك في عمران باطنك،فأين الفناء في التوحيد؟ فالفناء في الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين،و منتهى نعيم الصديقين .و أما التنزه عن الصفات المهلكات فيجري مجرى الخروج عن العدة في النكاح.و أما الاتصاف بالصفات المنجيات و سائر الطاعات فيجري مجرى تهيئة المرأة جهازها؟و تنظيفها وجهها و مشطها شعرها،لتصلح بذلك للقاء زوجها.فإن استغرقت جميع عمرها في تبرئة الرحم و تزيين الوجه،كان ذلك حجابا لها عن لقاء المحبوب فهكذا ينبغي أن تفهم طريق الدين إن كنت من أهل المجالسة و إن كنت كالعبد السوء لا يتحرك إلا خوفا من الضرب و طمعا في الأجرة،فدونك و إتعاب البدن بالأعمال الظاهرة،فإن بينك و بين القلب حجابا كثيفا،فإذا قضيت حق الأعمال كنت من أهل الجنة.و لكن للمجالسة أقوام آخرون