إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧١ - و أما النوع الرابع و هو المنجيات
ثم في هول النداء عند نفخة الصور،ثم في هول المحشر عند جمع الخلائق على صعيد واحد، ثم في المناقشة في الحساب،و المضايقة في النقير و القطمير،ثم في الصراط و دقته و حدّته، ثم في خطر الأمر عنده أنه يصرف إلى الشمال فيكون من أصحاب النار،أو يصرف إلى اليمين فينزل دار القرار.ثم ليحضر بعد أهوال القيامة في قلبه صورة جهنم و دركاتها، و مقامعها و أهوالها،و سلاسلها و أغلالها،و زقومها و صديدها،و أنواع العذاب فيها،و قبح صور الزبانية الموكلين بها،و أنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها،و أنهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها،و أنهم إذا رأوها من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا و زفيرا، و هلم جرا إلى جميع ما ورد في القرءان من شرحها و إذا أراد أن يستجلب حال الرجاء فلينظر إلى الجنة و نعيمها،و أشجارها و أنهارها:
و حورها و ولدانها،و نعيمها المقيم،و ملكها الدائم فهكذا طريق الفكر الذي يطلب به العلوم التي تثمر اجتلاب أحوال محبوبة،أو التنزه عن صفات مذمومة.و قد ذكرنا في كل واحد من هذه الأحوال كتابا مفردا يستعان به على تفصيل،الفكر أما بذكر مجامعه فلا يوجد فيه أنفع من قراءة القرءان بالتفكر،فإنه جامع لجميع المقامات و الأحوال ،و فيه شفاء للعالمين،و فيه ما يورث الخوف و الرجاء،و الصبر و الشكر،و المحبة،و الشوق،و سائر الأحوال،و فيه ما يزجر عن سائر الصفات المذمومة.
فينبغي أن يقرأه العبد و يردد الآية التي هو محتاج إلى التفكر فيها مرة بعد أخرى،و لو مائة مرة،فقراءة آية بتفكر و فهم خير من ختمة بغير تدبر و فهم .فليتوقف في التأمل فيها و لو ليلة واحدة،فإن تحت كل كلمة منها أسرارا لا تنحصر،و لا يوقف عليها إلا بدقيق الفكر عن صفاء القلب بعد صدق المعاملة.و كذلك مطالعة أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم [١]فإنه قد أوتي جوامع الكلم،و كل كلمة من كلماته بحر من بحور الحكمة،و لو تأملها العالم حق التأمل لم ينقطع فيها نظره طول عمره.و شرح آحاد الآيات و الأخبار يطول،فانظر إلى قوله صلى اللّه عليه و سلم[٢]«إنّ روح القدس نفث في روعي أحبب من أحببت