إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧ - المقام الأول من المرابطة
و هذا اليوم الجديد قد أمهلنى اللّه فيه،و أنسأ في أجلى،و أنعم عليّ به،و لو توفانى لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل فيه صالحا فاحسبي أنك قد توفيت،ثم قد رددت، فإياك ثم إياك أن تضيعى هذا اليوم،فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها،و اعلمي يا نفس أن اليوم و الليلة أربع و عشرون ساعة،و قد ورد في الخبر أنه[١]ينشر للعبد بكل يوم و ليلة أربع و عشرون خزانة مصفوفة،فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورا من حسناته التي عملها في تلك الساعة،فيناله من الفرح و السرور و الاستبشار بمشاهدة تلك الأنوار التي هي وسيلته عند الملك الجبار،ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ذلك الفرح عند الإحساس بألم النار.
و يفتح له خزانة أخرى سوداء مظلمة،يفوح نتنها،و يغشاه ظلامها،و هي الساعة التي عصى اللّه فيها،فيناله من الهول و الفزع ما لو قسم على أهل الجنة لتنغص عليهم نعيمها.و يفتح له خزانة أخرى فارغة ليس له فيها ما يسره و لا ما يسوؤه،و هي الساعة التي نام فيها،أو غفل، أو اشتغل بشيء من مباحات الدنيا،فيتحسر على خلوها،و يناله من غبن ذلك ما ينال القادر على الربح الكثير و الملك الكبير،إذا أهمله و تساهل فيه حتى فاته،و ناهيك به حسرة و غبنا.
و هكذا تعرض عليه خزائن أوقاته طول عمره ،فيقول لنفسه:اجتهدي اليوم في أن تعمرى خزانتك،و لا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملكك،و لا تميلى إلى الكسل و الدّعة و الاستراحة،فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك،و تبقى عندك حسرة لا تفارقك و إن دخلت الجنة،فألم الغبن و حسرته لا يطاق و إن كان دون ألم النار.
و قد قال بعضهم:هب أن المسيء قد عفي عنه،أ ليس قد فاته ثواب المحسنين؟أشار به إلى الغبن و الحسرة:و قال اللّه تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذٰلِكَ يَوْمُ التَّغٰابُنِ [١]فهذه وصيته لنفسه في أوقاته.ثم ليستأنف لها وصية في أعضائه السبعة:و هي العين، و الأذن،و اللسان،و البطن،و الفرج،و اليد،و الرجل،و تسليمها إليها،فإنها رعايا خادمة لنفسه في هذه التجارة،و بها تتم أعمال هذه التجارة.و إن لجهنم سبعة أبواب،لكل باب منهم جزء
[١] التغابن:٩