إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦ - المقام الأول من المرابطة
هو التاجر في طريق الآخرة،و إنما مطلبه و ربحه تزكية النفس،لأن بذلك فلاحها.
قال اللّه تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا [١]و إنما فلاحها بالأعمال الصالحة.و العقل يستعين بالنفس في هذه التجارة،إذ يستعملها و يستسخرها فيما يزكيها كما يستعين التاجر بشريكه و غلامه الذي يتجر في ماله.
و كما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح،فيحتاج إلى أن يشارطه أولا، و يراقبه ثانيا،و يحاسبه ثالثا،و يعاقبه أو يعاتبه رابعا،فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا،فيوظف عليها الوظائف،و يشرط عليها الشروط،و يرشدها إلى طرق الفلاح و يجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق،ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة ،فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة و تضييع رأس المال،كالعبد الخائن إذا خلاله الجوّ و انفرد بالمال ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها و يطالبها بالوفاء بما شرط عليها،فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، و بلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء و الشهداء ،فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا،مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبي ثم كيفما كانت فمصيرها إلى التصرم و الانقضاء،و لا خير في خير لا يدوم.بل شر لا يدوم خير من خير لا يدوم، لأن الشر الذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما و قد انقضى الشر،و الخير الذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما و قد انقضى الخير،و لذلك قيل:
أشد الغم عندي في سرور
تيقن عنه صاحبه انتقالا
فحتم على كل ذي حزم آمن باللّه و اليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه،و التضييق عليها في حركاتها،و سكناتها،و خطراتها،و حظواتها، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها،يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد.فانقضاء هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس عاقل فإذا أصبح العبد و فرغ من فريضة الصبح،ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس، كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته،فيقول للنفس.
ما لي بضاعة إلا العمر،و مهما فني فقد فني رأس المال،و وقع اليأس عن التجارة و طلب الربح،
[١] الشمس:٩،١٠