إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٢ - المرابطة السادسة
و التراب فراشك،و الدود أنيسك،و الفزع الأكبر بين يديك؟أما علمت يا نفس أن عسكر الموتى عندك على باب البلد ينتظرونك،و قد آلوا على أنفسهم كلهم بالأيمان المغلظة أنهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك معهم؟ أما تعلمين يا نفس أنهم يتمنون الرجعة إلى الدنيا يوما ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم،و أنت في أمنيتهم،و يوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لاشتروه لو قدروا عليه،و أنت تضيعين أيامك في الغفلة و البطالة؟ ويحك يا نفس،أ ما تستحيين؟تزينين ظاهرك للخلق،و تبارزين اللّه في السر بالعظائم أ فتستحيين من الخلق و لا تستحيين من الخالق؟ويحك أ هو أهون الناظرين عليك؟ أ تأمرين الناس بالخير و أنت متلطخة بالرذائل؟تدعين إلى اللّه و أنت عنه فارة،و تذكّرين باللّه و أنت له ناسية؟أما تعلمين يا نفس أن المذنب أنتن من العذرة؟و أن العذرة لا تطهّر غيرها؟فلم تطمعين في تطهير غيرك و أنت غير طيبة في نفسك؟ ويحك يا نفس،لو عرفت نفسك حق المعرفة لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك ويحك يا نفس؟قد جعلت نفسك حمار الإبليس يقودك إلى حيث يريد،و يسخر بك، و مع هذا فتعجبين بعملك و فيه من الآفات ما لو نجوت منه رأسا برأس لكان الربح في يديك.و كيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك و زللك؟و قد لعن اللّه إبليس بخطيئة واحدة بعد أن عبده مائتي ألف سنة؟و أخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه نبيه و صفيه ويحك يا نفس،ما أغدرك ويحك يا نفس ما أوقحك.ويحك يا نفس،ما أجهلك و ما أجرأك على المعاصي!ويحك كم تعقدين فتنقضين!ويحك كم تعهدين فتغدرين ويحك يا نفس،أ تشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غير مرتحلة عنها؟أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا؟جمعوا كثيرا،و بنوا مشيدا،و أمّلوا بعيدا،فأصبح جمعهم بورا،و بنيانهم قبورا،و أملهم غرورا ويحك يا نفس أما لك بهم عبرة؟أما لك إليهم نظرة؟أ تظنين أنهم دعوا إلى الآخرة و أنت من المخلدين؟هيهات هيهات.ساء ما تتوهمين.ما أنت إلا في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.فابني على وجه الأرض قصرك.فإن بطنها عن قليل يكون قبرك.
أما تخافين إذا بلغت النفس منك الترافى أن تبدو رسل ربك منحدرة إليك بسواد الألوان