إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤ - كتاب المراقبة و المحاسبة
الجزء الخامس عشر
[تتمة ربع المنجيات]
كتاب المراقبة و المحاسبة
>كتاب المراقبة و المحاسبة< و هو الكتاب الثامن من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين >بسم اللّه الرحمن الرحيم< الحمد للّٰه القائم على كل نفس بما كسبت،الرقيب على كل جارحة بما اجترحت،المطلع على ضمائر القلوب إذا هجست.الحسيب على خواطر عباده إذا اختلجت،الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و الأرض تحركت أو سكنت،المحاسب على النقير و القطمير و القليل و الكثير من الأعمال و إن خفيت،المتفضل بقبول طاعات العباد و إن صغرت،المتطوّل بالعفو عن معاصيهم و إن كثرت،و إنما يحاسبهم لتعلم كل نفس ما أحضرت، و تنظر فيما قدمت و أخرت،فتعلم أنه لو لا لزومها للمراقبة و المحاسبة في الدنيا لشقيت في صعيد القيامة و هلكت،و بعد المجاهدة و المحاسبة و المراقبة لو لا فضله بقبول بضاعتها المزجاة لخابت و خسرت.فسبحان من عمّت نعمته كافة العباد و شملت،و استغرقت رحمته الخلائق في الدنيا و الآخرة و غمرت،فبنفحات فضله اتسعت القلوب للإيمان و انشرحت،و بيمن توفيقه تقيدت الجوارح بالعبادات و تأدبت،و بحسن هدايته انجلت عن القلوب ظلمات الجهل و انقشعت،و بتأييده و نصرته انقطعت مكايد الشيطان و اندفعت و بلطف عنايته تترجح كفة الحسنات إذا ثقلت،و بتيسيره تيسرت من الطاعات ما تيسرت فمنه العطاء،و الجزاء،و الإبعاد،و الإدناء،و الإسعاد،و الإشقاء و الصلاة على محمد سيد الأنبياء،و على آله سادة الأصفياء،و على أصحابه قادة الأتقياء أما بعد:فقد قال اللّه تعالى وَ نَضَعُ الْمَوٰازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰامَةِ فَلاٰ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كٰانَ مِثْقٰالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنٰا بِهٰا وَ كَفىٰ بِنٰا حٰاسِبِينَ [١]و قال تعالى وَ وُضِعَ الْكِتٰابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّٰا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يٰا وَيْلَتَنٰا مٰا لِهٰذَا الْكِتٰابِ لاٰ يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لاٰ كَبِيرَةً إِلاّٰ أَحْصٰاهٰا وَ وَجَدُوا مٰا عَمِلُوا حٰاضِراً وَ لاٰ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [٢]
[١] الأنبياء:٤٧
[٢] الكهف:٤٩