إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٧ - المرابطة الرابعة
سالكي طريق الآخرة،فقد روي عن منصور بن إبراهيم،أن رجلا من العبّاد كلم امرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها،ثم ندم فوضع يده على النار حتى يبست و روي أنه كان في بني إسرائيل رجل يتعبد في صومعته،فمكث كذلك زمانا طويلا، فأشرف ذات يوم فإذا هو بامرأة،فافتتن بها و همّ بها،فأخرج رجله لينزل إليها،فأدركه اللّه بسابقة فقال:ما هذا الذي أريد أن أصنع؟فرجعت إليه نفسه،و عصمه اللّه تعالى،فندم.فلما أراد أن يعيد رجله إلى الصومعة قال:هيهات هيهات،رجل خرجت تريد أن تعصى اللّه تعود معي في صومعتي!لا يكون و اللّه ذلك أبدا.فتركها معلقة في الصومعة تصيبها الأمطار، و الرياح،و الثلج،و الشمس،حتى تقطعت فسقطت،فشكر اللّه له ذلك،و أنزل في بعض كتبه ذكره و يحكي عن الجنيد قال:سمعت ابن الكربي يقول:أصابتنى ليلة جنابة، فاحتجت أن أغتسل،و كانت ليلة باردة،فوجدت في نفسي تأخرا و تقصيرا،فحدثتني نفسي بالتأخير حتى أصبح و أسخن الماء أو أدخل الحمام،و لا أعنى على نفسي.فقلت وا عجباه!أ فأعامل اللّه في طول عمري،فيجب له عليّ حق،فلا أجد فيّ المسارعة،و أجد الوقوف و التأخر! آليت أن لا أغتسل إلا في مرقعتى هذه،و آليت أن لا أنزعها،و لا اعصرها، و لا أجففها في الشمس. و يحكى أن غزوان و أبا موسى كانا في بعض مغازيهما،فتكشفت جارية،فنظر إليها غزوان،فرفع يده فلطم عينه حتى بقرت و قال:إنك للحاظة إلى ما يضرك و نظر بعضهم نظرة واحدة إلى امرأة،فجعل على نفسه أن لا يشرب الماء البارد طول حياته،فكان يشرب الماء الحار لينغص على نفسه العيش.و يحكى أن حسان بن أبي سنان مر بغرقة فقال:متى بنيت هذه؟ثم أقبل على نفسه فقال:تسألين عما لا يعنيك،لأعافينك بصوم سنة،فصامها.و قال مالك بن ضيغم:جاء رباح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر، فقلنا إنه نائم.فقال أ نوم هذه الساعة!هذا وقت نوم!ثم ولى منصرفا.فأتبعناه رسولا و قلنا.ألا نوقظه لك؟فجاء الرسول و قال.هو أشغل من أن يفهم عنى شيئا،أدركته و هو يدخل المقابر و هو يعاتب نفسه و يقول.أ قلت وقت نوم هذه الساعة؟أ فكان هذا عليك؟ينام الرجل متى شاء.و ما يدريك أن هذا ليس وقت نوم؟تتكلمين بما لا تعلمين؟ أما إن للّٰه علي عهدا لا أنقضه أبدا لا أوسدك الأرض لنوم حولا إلا لمرض حائل،أو شغل